روسيا وأميركا تسيران على حافة الهاوية في سورية

للمرة الأولى منذ تولّيه الحُكم، يهدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره الروسي فلاديمير بوتين بأنه «سيدفع الثمن» في سورية عطْفاً على اتهام النظام السوري باستخدام السلاح الكيماوي في مدينة دوما في الغوطة الشرقية حيث آخر معاقل المعارضة.
وفيما يقول ترامب إنه سيضرب مراكز للجيش السوري او قصر المهاجرين من دون أن  يسمّي او يحدّد مكاناً وزماناً للضربة العسكرية، تؤكد روسيا أنها لن تقف مكتوفة وستردّ أيضاً لأن جنودها وضباطها موجودون على كامل الساحة السورية مع الجيش السوري.
ويعني موقف موسكو أنها تَعتبر أن أيّ ضربة ضدّ أهداف عسكرية سورية ستصيب جنودها وبالتالي ستتسبّب بردّ فعل، عدا عن ان بوتين لن يَقْبَل أيضاً بأن يَظهر بمَظهر الضعيف أمام شعبه وقواته العسكرية والسياسية وأمام العالم بعدما أثبت عودة روسيا الى الساحة الدولية ليس فقط وهي تملك قوة نووية بل وقادرة على إيجاد نوع من التوازن وإلغاء الأحادية التي تنعّمت بها واشنطن منذ زمن البريسترويكا العام 1991.
ولكن كيف تستفيد واشنطن من الضربة العسكرية؟
يطالب جميع الصحافيين ومراكز دراسات أميركية ترامب بالذهاب الى الحرب ضدّ الرئيس الأسد، وكذلك يطالب بالشيء عيْنه الفريق الذي يحوط بالرئيس الأميركي، من مستشارين الى الاستخبارات، تحت ذريعة ان «الأسد يجب ان يغادر».
وحسب مصادر سورية قريبة من الحكومة، يعزو هؤلاء موقفهم الى «فيلم فيديو نشرتْه مصادر مجهولة تنتمي إلى مجموعاتٍ جهادية في الغوطة تدّعي ان الأسد استخدم الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين في مدينة دوما».
وتضيف المصادر «لقد اختار العالم ان يصدّق ما يرى ويسمع على الإعلام من دون العودة الى الأسلوب القديم الذي يقضي بتقصي الحقائق على الأرض من مصادر موثوقة ومحايدة وخبيرة. وهذا ممكن لأن مجموعات»جيش الإسلام»التي تسيطر على دوما تتواصل مع الجانب الروسي الذي ينسّق عملية خروج هؤلاء الى الشمال السوري وبالتالي فلا مشكلة حقيقية بإدخال فريقٍ أممي للتأكد من صحة المعلومات».
إلا أنه يبدو ان هذا الخيار غير مطروح كي لا يصطدم العالم المتعطّش للحرب ولرؤية الدماء بحقيقةٍ من الممكن ان تشكك في رواية «المجموعات الجهادية».
أما الحرب الشاملة على سورية، وفقاً للمصادر، فلا يبدو أنها تريد رأس الأسد بل رأس حليفه الأساسي بوتين الذي يبسط سيطرته على «بلاد الشام» ويتحالف مع الدول الشرق الأوسطية والبعيدة التي ترفض الهيمنة الأحادية الأميركية على العالم.
والمشكلة الحقيقية أن الأسد وبوتين يربحان الحرب في سورية ويفوزان بها ضدّ أميركا التي فشلتْ في حماية الأكراد في الشمال السوري لعدم قدرتها على منْع الهجوم والاحتلال التركي لمناطقهم.
وحسب المصادر، «فشلتْ ورقة الجهاديين لتغيير النظام وإيجاد حال من الفوضى في الشرق الاوسط تحت غطاء وعباءة الأعلام السود التي حاولتْ إغراق منطقة الشرق الأوسط في صراع طائفي كان يمكن ان يغيّر لون مياه الأنهر الى الأحمر لِتَعَطُّش هؤلاء الى دماءِ كل الذين لا يحملون او يتقبّلون عقيدتهم الدموية».
وتضيف المصادر «لا يستطيع الأسد ان يستخدم سلاحاً كيماوياً يحرّض العالم كله ضدّه عندما يكون هو المنتصر على الأرض وحين تصبح مدينة دوما ليست فقط محاصَرة وصغيرة الحجم، بل قد وصل الى اتفاق يقضي بخروج كل الجهاديين منها. إلا أن المفاوضات كانت تعثّرت فقط لأن»جيش الإسلام«طلب إخراج 900 مليون دولار كان يحتفظ بها، وطلب ألا يَدخل أي جهاز استخبارات إلى دوما وبأن يُبقي التنظيم على ألف شرطي لحفْظ النظام في المدينة. لكن طلباته رُفضت وأُجبر على الخروج بعدما استأنف قصف العاصمة دمشق وفي أعقاب القصف السوري - الروسي لدوما».
إذاً، لم يعد هناك أي طرف في الوسط السوري يستطيع استثمار أي ضربة عسكرية أميركية ضدّ الأسد و - كما قال الجنرال جوزف فوتيل قائد القيادة المركزية الأميركية - لا يستطيع أي فريق إحداث أي تغيير في أرض المعركة في سورية ضدّ النظام الحالي. ناهيك عن ان اي حرب أميركية ستكلف إدارة ترامب مئات المليارات من الدولارات وهو سيسعى الى البحث في جيوب حكام الشرق الأوسط عن كل دولار ليأخذه منهم تحت أي ذريعة.
انها ليست فقط مسألة مال او تكلفة لأميركا، وليست مبدأ حماية الضعفاء لأن هناك حروباً أخرى جارية يُقتل فيها المئات يومياً تحت أنظار العالم.
إنها ليست مسألة كيماوي، لأن لا دليل صلباً على استخدام هذا السلاح، الذي كانت حذرت موسكو سابقاً من ان الجهاديين يحضّرون لمسرحية استخدامه، وفقاً للمصادر.
ماذا ستفعل صواريخ «توماهوك» ضدّ القصر الجمهوري «تشرين» الذي أصبح خالياً تَحسباً من احتمال ضربة أميركية - بريطانية - فرنسية - شرق أوسطية؟ هل ستغيّر المعادلة على الأرض؟ أو قصف مطارات عسكرية متعددة أو مراكز تجمُّع الجيش السوري؟ كل هذا سيزيد من أعداد القتلى على لائحة ضحايا الحرب. فإذا كان العدد 400 الف وأصبح 405 آلاف، فإن أميركا ستقتل المئات بل الآلاف من أجل... لا جواب إلا لتوجيه صفعة لروسيا وإظهارها بمظهر الضعيف والدولة العظمى التي لا تستطيع الدفاع عن أصدقائها.
إذاً، انها معادلة تريد واشنطن ان تفرضها لتحرج روسيا:
- أميركا لا تملك أصدقاء بل مصالح مشتركة او مصلحتها هي.
- روسيا دولة صاعدة قوية تنشئ التحالفات ولكنها لن تستطيع التصدي للقرار الأميركي ولن تستطيع الدفاع عن حلفائها.
نعم هذا احتمال، ولكن الاحتمال الثاني والأخطر هو:
ماذا لو ردّت روسيا وضربتْ مصادر النيران كما هدّدتْ؟ ماذا لو قررتْ موسكو التصادم مع أميركا؟ هل سيقبل الشعب الأميركي أن يذهب الى حربٍ شاملة فقط لأن النفوذ الروسي في الشرق الأوسط بات ينافس ويزعج واشنطن؟
إنها لعبة خطرة ستتضح معالمها قريباً. الجبّاران الروسي والأميركي يمشيان على حافة الهاوية. فهل يقع الاثنان فيها أو يقرر ترامب السير بعيداً ويتقبّل الخسارة ليعود الى المجابهة في ساحة أفضل من بلاد الشام؟

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا