حرق النفايات... خطرٌ على الصحة العامة يجب التصدي له


محارق لنفايات لبنان... حل للأزمة أم أزمة جديدة؟

الخيار لا يتناسب مع مبدأ «صفر نفايات» الذي يتّجه العالم نحوه
  • 24 نوفمبر 2018 01:56 م
  • الكاتب:د. حمزة مغنية
  •  16

  • طبيعة لبنان الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية ونوعية نفاياته المنزلية لا تتناسب مع اعتماد تقنية الحرق 

  • الكمية السنوية لتغذية المحرقة لا يجب أن تكون أقلّ من ألف طن

  • تقنية التفكك الحراري ليست جديدة ولا تشكّل حلّا شاملاً لأنه لا يمكن استخدامها لمعالجة كل أنواع النفايات المنزلية

  • حرق النفايات يقلّص حجمها ولكنه يحوّلها إلى رماد غير صالح للطمر أو الاستعمال قبل معالجته

  • أزمة النفايات يمكن أن تعالج بكلفة ومخاطر أقل في حال اعتماد خيار الإدارة المتكاملة

  • ليست كل أنواع النفايات صالحة لعملية توليد الطاقة

  • لا يمكن مقارنة لبنان بالدول المتقدمة التي لا تزال تعتمد المحارق بسبب اختلاف الوضع

في ما يشتدّ النقاش حول الطريقة أو الاستراتيجية الفضلى لمعالجة أزمة النفايات، لا بدّ أن ننظر الى الموضوع بطريقة علمية وان نعالج مشروع المحارق من ناحيته التقنية، البيئية، الصحية، الاقتصادية والاجتماعية وذلك لتسليط الضوء على حقيقة هويّته وطريقة تشغيله، وأبرز آثاره السلبية على البيئة وصحة الانسان، إضافة الى كمية وخطورة المخلّفات الناجمة عن الحرق المعروفة بالرماد السام، وذلك استنادا الى مراجع علمية موثّقة والى تجارب دول العالم في هذا المجال لا سيّما أوروبا، الولايات المتحدة، الصين وغيرها.
محرقة أو تفكك حراري؟
استناداً إلى المرجع الأوروبي المختص بمجال معالجة النفايات عبر تقنية الحرق، وهو المرجع ذاته الذي أعلن لبنان التزامه به... (2000/‏76/‏DIRECTIVE EU on the incineration of waste).
تعريف المحرقة:
هي تقنية تعني أي وحدة فنية ثابتة أو متحركة بالإضافة إلى جميع المعدات المخصصة لمعالجة النفايات عن طريق جمعها وحرقها بهدف التخلص منها وتحويلها الى رماد مع أو دون استرداد الحرارة المتولدة. إنها تشمل أيضا أكسدة النفايات ومعالجتها عن طريق التفكك الحراري بهدف حرق المواد الناجمة عنها.
اذا، انّ التفكك الحراري او الحرق هما مصطلحان يختلفان بالتسمية، ولكنّهما بحسب تصنيف الاتحاد الأوروبي يندرجان معا ضمن إطار التقنيات المستخدمة للتّخلص من النفايات على درجة حرارة عالية (directive 2000/‏76/‏EU) وبالتالي لديهما المخاطر ذاتها ويخضعان لجميع المعايير المحدّدة من قبل المرجع.
إنّ فرق التسمية بين الحرق (incineration) والتفكك الحراري (pyrolysis) هو بحسب نوع النفايات المعالجة، كمية الاوكسجين والحرارة المطلوبة وما يتمّ الحصول عليه عند انتهاء عملية التحويل. ولكن الانبعاثات وخطورة الأضرار الناجمة عنهما هي نفسها، لذلك يخضعان للمعايير الأوروبية الصارمة ذاتها.
المحرقة تستخدم لحرق جميع المواد الموجودة في النفايات من دون الحاجة لمعالجة مسبقة، من زجاج وبلاستيك وورق ومواد عضوية وغيرها، كما وأنّها تصلح لحرق النفايات المتبقية من بعد عملية الفرز. إنها تحتاج لكمية أوكسجين كبيرة لضمان حصول الاحتراق الكامل لكل النفايات، ولدرجة حرارة تتراوح ما بين 850°C و1100°C. ينتج عن المحارق ملوثات هوائية سامة (ثاني أكسيد النيتروجين NO2، ثاني أكسيد الكبريت SO2، أول أكسيد الكربون CO، المركبات العضوية المتطايرة VOC...).
والتي تتسبب بأمراض مميتة مثل السرطان وأمراض القلب والرئة والتشوهات الخلقية وتصيب الجهاز التنفسي والعصبي. كما وينتج عنها أيضا رماد سام مشبع بالديوكسين والمعادن الثقيلة و الهيدروكربونات متعددة الحلقات المصنفة من قبل الوكالة الدولية لبحوث السرطان كمادة مسرطنة للبشر، وغيرها من المركبات السامة. لذلك هي تتطلب أصحاب خبرات ومهارات عالية الى جانب طرق حديثة مكلفة ومراقبة صارمة ومستمرة لضبط الملوثات الناتجة عنها.
التفكك الحراري هو تقنية مستخدمة لمعالجة أنواع محدّدة من النفايات وهي بحسب الدراسات العلمية تتألف من المواد العضوية الغنيّة بالكربون كالورق والبلاستيك والاطارات. بما أنّ النفايات المنزليّة الصلبة متنوّعة وغير متجانسة في التكوين والحجم، فهي بشكلها الخام لا تكون مناسبة للتفكك الحراري، ودائما ما تتطلب التحضير الميكانيكي وفصل الزجاج والمعادن والمواد غير الفعّالة قبل معالجة النفايات المتبقية. انّ هذه التقنية تتطلّب حرارة ما بين 300°C و700°C و غياب تام للاوكسجين. ينتج عن التفكك الحراري مواد صلبة وهي الفحم، غازات غنية بأول أوكسيد الكربون والهيدروجين وهي قابلة للاحتراق، الى جانب مواد سائلة كالزيت الخام الخفيف والثقيل. تحتاج هذه التقنية الى أجهزة مكافحة التلوث لمعالجة الغازات المنبعثة والمواد السائلة الملوّثة قبل رميها بالطبيعة.
بناء على ذلك، بما أن المعنيّين بإدارة مشروع النفايات في لبنان يصرّون على انّه يعالج كل انواع النفايات المتكدّسة، بعد الفرز اليدوي للمواد البلاستيكية والمعدنية والكرتون القابلة للتدوير، اذا هو حتما مشروع محرقة اذ تغيب عنه خصائص التفكك الحراري العلميّة.
فالتفكك الحراري مصطلح بدأ التداول به للتّهرب من استخدام كلمة محرقة كونها مرفوضة من الرأي العام لمعرفته بما تسبّبه من أضرار وتلوث.
فالجهات التي ترغب بانشاء المحارق تقوم بالترويج لها على أنها تقنية جديدة تعتمد على تكنولوجيا متطورة بحيث تعالج النفايات من خلال التفكك الحراري من دون ملوّثات. أما الحقيقة فهي أنّهم يقومون بتضليل الرأي العام وايهامه باستخدام مصطلحات لا ترقى الى المستوى العلمي الدقيق وذلك بهدف اخفاء حقيقة المشروع الكاملة كما هي.
إذاً على المواطنين أن يدركوا أنّ تقنية التفكك الحراري ليست جديدة ولا تشكّل حلّا شاملا لأنه لا يمكن استخدامها لمعالجة جميع أنواع النفايات المنزلية، بل هي تستخدم لمعالجة المواد العضوية، الورق والبلاستيك أي المواد الغنية بالكربون. إضافة إلى أنها مصدر للتلوث إذ يصدرعنها أيضا انبعاثات خطرة ومضرّة تحتاج لأجهزة متطورة لمكافحة التلوث ومعالجة المواد السائلة الملوثة كيميائيا قبل رميها بالطبيعة.
من جهة أخرى، بما أن النفايات المعالجة هي البلاستيك والورق والكرتون والمعادن والمواد العضوية إذا الحل الأسهل والأقل كلفة والأقل تلوثا على البيئة هو الفرز واعادة التدوير والتسبيخ. بالتالي ما هو المبرّر المنطقي العلمي للتّوجه نحو خيارات ﻋﺎﻟﯾﺔ اﻟﻛﻠﻔﺔ، وهي ﺑﺣد ذاتها هدر ﻟﻠﻣوارد اﻟﺗﻲ تتضمنها اﻟﻧﻔﺎﯾﺎت في حين يمكننا أن نعالجها بتطبيق رؤﯾﺔ ﺣدﯾﺛﺔ ﺗﻧطﻠﻖ ﻣن مفهوم ﺣﻣﺎﯾﺔ اﻟﺑﯾﺋﺔ واﻟﺻﺣﺔ اﻟﻌﺎﻣﺔ وﺗﺧﻔﯾف ﻛﻠﻔﺔ إدارة اﻟﻧﻔﺎﯾﺎت ﻋﺑر اﺳﺗرداد ﺟزء ﻣن هذه اﻟﻛﻠﻔﺔ؟!
ان هذه الرؤية ترتكز على استرداد قيمة الموارد الموجودة في النفايات فالبلاستيك والورق والكرتون والمعادن لا تشكل عائقاً في عملية المعالجة بل على العكس يمكن اعتماد ﻧظﺎم اﻟﻔرز ﻣن اﻟﻣﺻدر، ﻛﻲ نسهل أﯾﺿﺎ ﻋﻣﻠﯾﺔ ﻓﺻل وﺗﻌرﯾب هذه اﻟﻣﻛوﻧﺎت اﻟﻘﺎﺑﻠﺔ ﻟﻠﺗدوﯾر واعادة الاستعمال. وهو الخيار الأقل كلفة وضررا على البيئة وهو يزيد من فرص العمل أمام المواطنين ويشجّع الصناعة المحلية.
المخلّفات الناجمة عن المحرقة:
استنادا إلى تقرير نشرته اللجنة الاوروبية حول طرق معالجة النفايات والحد من التلوث عام 2006، حدّدت فيه انّه ينتج عن حرق النفايات المنزلية الصلبة رماد متطاير (fly ash) يحمل غازات سامّة وملوّثة يجب تنقيتها قبل انبعاثها في الهواء، ورماد القعر (bottom ash) وهو مادة صلبة تحتوي على مواد مضرّة مشبّعة بالديوكسين وغيرها من المواد الكيميائية المؤذية والمسرطنة وكلفة معالجتها مرتفعة.
من جهة أخرى، يشمل المرجع الأوروبي (directive 2000/‏76/‏EU) بتعريفه لبقايا عملية الحرق كل المواد الصلبة والسائلة الناجمة عن عمليات التفاعل في المبدّلات الحرارية، وعن معالجة الانبعاثات المتطايرة والصلبة والمياه الملوثة ضمن نطاق المعمل.
صحيح أن حرق النفايات يقلّص حجمها ولكنه مقابل ذلك يحولها الى رماد غير صالح للطمر او الاستعمال قبل معالجته. بحسب دليل البنك الدولي لحرق النفايات الصلبة، فإنّها تتقلّص بنسبة 90 في المئة كحجم و70 في المئة كوزن إذ ان معالجة طنّ من النفايات في محرقة متطورة مع استرداد الطاقة ينتج عنه نحو 291 kg رماد القعر و45 kg رماد متطاير.
إن هذا الرماد يشكل مشكلة اساسية للمحارق في حال عدم وجود تقنيات متطورة لقياس نسبة الملوثات الكيميائية فيه ومعالجتها وعدم ايجاد طرق سليمة للتخلص منه ان كان عبر استخدامه بمجال البناء او الطمر في اراض مخصصة ضمن الشروط البيئية الدولية الصارمة. أبرز دليل على ذلك هو كمية الرماد الكبيرة التي تعاني منها بعض الدول الاوروبية والولايات المتحدة ممّا دفعهم إلى ترحيله الى بلدان أخرى حيث الشروط البيئية اقل قسوة.
إن الرماد المتولد عن الحرق مصنّف مادّة خطرة وفق الاتحاد الاوروبي الذي يفرض معالجته قبل التخلص منه. وهنا تكمن المشكلة لأن كلفة المعالجة مرتفعة وهي معقّدة فتحتاج الى تقنيات متطورة وخبرات هامة ممّا شكّل عائقا أمام قدرة الكثير من الدول كاليابان وحتّى بعض الدول الاوروبية على التخفيف من نسبة الملوثات.
ان تقنيات الحد من التلوث تكمن في معالجة الرماد المتطاير ورماد القعر:
- ان الرماد المتطاير يخضع لسلسلة من التحويلات الكيميائية بهدف التخلّص من الملوثات وهي عبارة عن عدّة تقنيات كل واحدة منها خاصة بتخفيف نسبة نوع معيّن من الملوثات ومنها استخدام أجهزة غسل الغازات لبخ رذاذ الماء على الغاز المنبعث لتبريده ومزج المادة السامة بالماء للقدرة على التعامل معها (multi-stage scrubbing)، ضخّ الكربون المنشط لامتصاص غاز ثاني اوكسيد الكربون، ومواد غنية بالكلس لامتصاص كلوريد الهيدروجين وثاني أكسيد الكبريت، واستخدام مفاعل بيكربونات الصوديوم والامونيا لتفكك اوكسيد النيتروجين (selective or non-selective catalytic reduction)، الى جانب استخدام الفلاتر للتنقية (bag house filters and electrostatic precipitators)
- رماد القعر الصلب يحتوي على الديوكسين والمعادن الثقيلة وغيرها من الملوثات التي يجب القضاء عليها قبل طمره بمطمر خاص أو اعادة استخدامه في أعمال البناء والردم. فالمواد المعدنية يتم فصلها أولاً بواسطة عملية الفصل المغناطيسي وهي تقنية تستخدم في الصناعات التحويلية لإزالة الملوثات المعدنية الخشنة. أما المواد غير الحديدية فهي تستخرج ثانيا من خلال تقنية Eddy Current Separation بحيث الرماد يكون موزّعا على حزام ناقل فيتم خلق حقل مغناطيسي من خلال استخدام rotating coil فيتم فصل المواد غير الحديدية عن سائر المواد. بالإضافة الى معالجة ميكانيكية لتخفيض الحجم ومعالجة كيميائية للحد من قدرة الملوثات على التسرب (crushing, sieving, ageing).
إذاً التحكم بهذه الملوثات الخطيرة يتطلب وضع وتشغيل وصيانة تجهيزات معقدة ومكلفة لمكافحة التلوث، ويتطلب إدارة دقيقة وقدرات بشرية أصحاب خبرات عالية في هذا المجال. فهل هذا كله متوافر في لبنان حاليّا ؟ أما ما يقال عن الاستعانة بخبرات الاجانب الذين سيشغلون ويديرون المحارق في المرحلة الاولى فهو يجعل الصناعة المحلية بخطر ويهمل اللبنانيين الباحثين عن فرص عمل. فبدل الاعتماد على الخارج، الأولويّة تكون بتشجيع ودعم الاستثمارات المحلية التي بدورها تساهم في تنمية الاقتصاد.
من جهة أخرى، إنّ الأرض أو المطمر المخصص لطمر الرماد المتبقي بعد المعالجة يختلف بهندسته وخصائصه الجيولوجية عن سائر المطامر الصحية المستخدمة. فقد حدد الاتحاد الأوروبي ضرورة ابتعاد المطمر عن المياه السطحية والجوفية وعن الوحدات السكنية، وان تحدّه صخور عازلة لمنع تسرّب المواد السامة وهو مصنّف من قبل الاتحاد الاوروبي كمطمر خاص للنفايات السامة.
في المانيا مثلاً يتم فحص بقايا الحرق للتأكّد من مطابقتها للمواصفات المحددة في القانون الألماني لحماية التربة قبل إعادة استخدامها كمواد بناء ثانوية أو طمرها بعيدا في أماكن مخصصة تحت الأرض (salt cavern) للتأكد من عدم تسرّبها.
كذلك قامت دول كثيرة كهولندا، بلجيكا، الدنمارك، الولايات المتحدة، نيوزيلندا وغيرها بفرض ضرائب مرتفعة على المطامر الخاصة ببقايا رماد الحرق بهدف الحد منها وجعلها تلتزم بأقصى المعايير والشروط البيئية الصارمة، وبالتالي التشجيع على المعالجة الفعالة لاعادة استخدامه في مجالات أخرى بدل طمره.
أما في الصين، وحسب تقرير نشر عام 2015 هناك مشكلة كبيرة تتعلّق بالرماد المتبقي بعد عملية حرق النفايات في 5 معامل للحرق. اذ لم يكن هناك من معالجة فعالة للملوثات الموجودة فيه ولم تعد المطامر تستوعب كميات كبيرة ولم يستطيعوا ترحيله الى بلدان أخرى لاحتوائه على مواد سامّة وكلفة ترحيله عالية جدّا. والنتيجة كانت زيادة نسبة التلوث ومعارضة شديدة من قبل المواطنين والمطالبة باغلاق المحارق.
إذاً لمحارق النفايات مخلّفات سامّة تتطاير على شكل انبعاثات هوائية وأخرى صلبة. وهي سبب أساسي لزيادة نسبة تلوّث الهواء والمياه والتربة. أما طرق معالجتها فصحيح أنها موجودة علميّا نظريّا ولكن لم تظهر فعالية تطبيقها على أرض الواقع والدليل هي نسبة الانبعاثات التي تخطّت المعايير الاوروبية حتّى في البلدان المتطورة.
وهنا سؤال يطرح نفسه: إذا كانت الدولة اللبنانية كما هو واقع الحال عاجزة عن تطبيق أدنى المعايير والشروط البيئية في ما يخصّ الكسارات ودواخين المعامل والمصانع والمولدات الكهربائية، فكيف لها أن تفرض وتراقب انبعاثات المحارق التي هي أخطر بكثير والتي عجزت أغلبية الدول عن التحكم بها؟
حقيقة توليد الطاقة من النفايات:
انّ بناء معمل لحرق النفايات المنزلية الصلبة يفتح المجال أمام القدرة على انتاج الطاقة الكهربائية و/‏ أو الحرارية فقط عندما تتوافر مجموعة خصائص محدّدة ومبرهنة علميّا. إذ ليست جميع أنواع النفايات صالحة لعملية توليد الطاقة التي ترتبط أيضا وبشكل أساسي بكميّة النفايات الناتجة التي مصيرها الحرق.
يحدّد دليل البنك الدولي لحرق النفايات الصلبة وبشكل واضح المعايير الأساسية الواجب توافرها لإمكانية إنتاج الطاقة من حرارة الحرق وهي:
- إنّ القيمة الحرارية الادنى للنفايات يجب ان تكون 7MJ/‏kg وألّا تنخفض عن 6MJ/‏kg في أي وقت مما يتطلّب دراسة جدّية لنوعية المواد المؤلفة منها النفايات واحتساب الكميات المخصصة للحرق المتوقع إنتاجها في المستقبل لضمان احتوائها على النسبة المطلوبة.
- الكمية السنوية لتغذية المحرقة لا يجب أن تكون أقلّ من 50,000 طن وتغيّر النسبة الاسبوعية لتلقيم المحرقة لا يجب أن تتخطّى 20 في المئة، اذ لتكون مجدية وملائمة اقتصاديًا يجب ان تكون المحرقة قابلة لاستيعاب 10tons/‏h من النفايات بشكل مستمر.
- وجود بنى تحتية قائمة وقادرة على توزيع الطاقة بشكل سليم عبر شبكات التدفئة وشبكات الكهرباء الممدودة بالقرب من معامل الحرق.
بالتالي، إنّ إنتاج الكهرباء من عملية حرق النفايات ليس بالامر السهل ويتطلّب كلفة مرتفعة خاصة مع تقلّب نوعية وكمية النفايات، فكلفة معالجة النفايات ذات قيمة حرارية متدنية لتصبح صالحة للحرق وتوليد الطاقة مرتفعة عن غيرها، كما تظهر بيانات البنك الدولي.
ان دليل البنك الدولي لا يشجع على اعتماد خيار المحارق كحل لمعالجة النفايات المنزلية التي قيمتها الحرارية الادنى أقل من 6 MJ/‏kg لأنها تتطلّب معالجة مسبقة قبل عملية الحرق وكلفة هذه المعالجة تزيد على 70 $/‏ton بحسب نوعية النفايات وكمية الرطوبة الموجودة فيها. فمن سيتحمل هذه الكلفة المرتفعة في حين أن البلديات عاجزة عن تحمّل الكلفة الحالية للمعالجة والمواطن عاجز عن تحمل المزيد من الضرائب والرسوم؟
إن كمية الطاقة الموجودة في نفايات لبنان ضعيفة جدا، ولا تسمح أصلا بالتفكير باعتماد خيار الحرق لمعالجتها، إذ ان القيمة الحرارية الادنى لهذه النفايات بحسب البحوث تتراوح بين 4 - 5 MJ/‏kg وهي بالتالي غير كافية لإطلاق واستمرار عملية الحرق واحترام درجة الحرارة الأدنى لغرفة الاحتراق والمعايير العلمية لإنتاج الطاقة.
فالنفايات العضوية تشكل نحو 55 في المئة من نفايات لبنان، وأنها تحتوي على نحو 60 في المئة ماء، ولكي تحترق هذه النفايات نحتاج إلى تخفيض احتوائها على الماء وسحب كمية الرطوبة وتشمل النفايات الإبقاء على كل كمية الورق والكرتون والبلاستيك المعدة للحرق لكي ترتفع القيمة الحرارية. هذا يعني التخلّي عن استراتيجية الفرز وإعادة التدوير، وعن تسبيخ المواد العضوية. كل ذلك، بهدف الوصول إلى حد أدنى من القيمة الحرارية التي تتيح الحرق وتوليد الطاقة بمساعدة فيول إضافي.
أما الحديث عن فرز مسبق للنفايات قبل حرقها وما يتبقّى يتم حرقه وانتاج الكهرباء والمياه الساخنة هو أمر مستغرب، فمن أين ستأتي القيمة الحرارية الادنى والطاقة المطلوبة لإتمام هكذا عمليّة تحويل؟
إنّ هكذا معمل تحويلي ينتج الطاقة من النفايات في لبنان لا يحلّ أزمة النفايات ولا أزمة الكهرباء، فواقع النفايات وواقع الحال في لبنان لا يتلاءم مع كل المتطلبات العلميّة الصعبة الخطرة والمكلفة لبناء، إدارة، تشغيل ومراقبة المحارق.
الحل لمشكلة النفايات لا يكون بحرقها:
أسباب عديدة تجعل من اعتماد المحارق كحل لمعالجة أزمة النفايات خيار خاطئ:
- إنّ اعتماد هذا الخيار بحجة أن المطامر على وشك الامتلاء، وأن المحارق تخفف من حجم النفايات التي تذهب الى الطمر ليس مبرّرا. أوّلا، إن مبدأ التخفيف (وهو على رأس مبادئ معالجة النفايات) يقوم أساساً على تجنب إنتاج الكثير من النفايات، قبل أن تصبح نفايات، وقبل التفكير في اعتماد أي تقنية لتخفيف حجمها بعد إنتاجها. وهنا يجب أن يتم توعية وتثقيف المواطنين على ممارسة مبدأ التخفيف من انتاج النفايات.
ثانيا، إن نسبة العوادم وتخفيف حجم النفايات بعد إنتاجها مرتبط بالتقنية المعتمدة للمعالجة. إن المحارق وبحسب الدراسات وتجارب الدول الاجنبية تخفف 90 في المئة من حجم النفايات كحد أقصى، بينما يصل حجم العوادم بعد فرمها وكبسها في معامل لبنان القائمة على الفرز والمعالجة الى ما يقارب 1 - 2 في المئة.
- ان المطامر المخصصة لطمر الرماد السام المتبقي من الحرق يجب أن تنطبق عليها المواصفات التي حدّدها الاتحاد الاوروبي لتجنّب تلوّث التربة والمياه الجوفية. وبالتالي إنها تتطلّب خبرات وتكاليف كبيرة بسبب الشروط البيئية الشديدة كضرورة ابتعاد المطمر عن المياه السطحية والجوفية وعن الوحدات السكنية، وان تحدّه صخور عازلة لمنع تسرّب المواد السامة أي أن يتم الطمر بما يعرف salt caverns وهذا ما لا يتمتّع به لبنان. وأيضا معالجة بقايا الحرق أي الرماد مكلفة جدّا وتتطلب خبرة عالية وتقنيات حديثة.
أمّا المطمر المخصص للعوادم الناتجة عن معامل الفرز والمعالجة فهو ببساطة مطمر صحي، هندسته أسهل وأقل كلفة ومن الممكن التحكم بالغازات المنبعثة منه.
- ان تكاليف انشاء وتشغيل محرقة نفايات مرتفعة جدّا فمن سيتحمّل هذه الكلفة؟ اذا كانت المسؤولية تقع على عاتق البلدية أو اتحاد بلديات فهم سيكلّفون شركات استشارية لدرس مشروع إنشاء محارق و سيدفع المواطنون ضرائب جديدة لتغطية الكلفة المرتفعة. واذا كان هناك من متعهّد يريد ان يعالج النفايات فهو أمام احتمالين اما أن توافق البلدية المعنية على اعطائه نفاياتها مما يسهّل عمله ويتم الاتفاق على الكلفة المترتّبة على البلدية التي بدورها ستأخذها من المواطنين بطريقة غير مباشرة، أو الا تلتزم بإعطائه النفايات فكيف سيضمن عمله ومن أين سيحصّل الكلفة التي قد دفعها؟ إن الاستثمار في مشروع محرقة هو مكلف جدّا ولا قدرة لأي بلدية على تركيبها وتشغيلها وترحيل أو طمر ملوثاتها.
- إن اعتماد مبدأ حرق النفايات يعني اعتبارها غير صالحة لأعمال أخرى ويجب التخلص منها. في حين أنّ الحقيقة العلمية تكمن في اعتبار أنّ النفايات هي مجموعة من الموارد المطلوب استرداد قيمتها وهي تشكّل موادّ أولية للكثير من الانتاجات الصناعية. إذا، حصر معالجة النفايات بين الطمر والحرق هو خطأ كبير ويفتقد الى الرؤية العلمية الصحيحة والمستدامة.
- صحيح ان المحارق تقدّمت تقنيّا، وهناك في البلدان المتقدمة صناعيا محارق نفايات ما زالت تعمل ويعملون على تطويرها. ولكن هذه المحارق ما زالت مصدرا لتلويث الهواء بسبب الانبعاثات الخطيرة على الصحة العامة بالرغم من تجهيزات مكافحة التلوث المتطورة. والدليل أن هناك حركات كبيرة من المجتمع المدني والأكاديمي وبعض مراكز الأبحاث البيئية والصحية، تعارض اعتماد المحارق وتدعو إلى التخلص التدريجي منها، وتطالب بالإقفال الفوري للمحارق التي لا تحترم المعايير والعاجزة تقنيا عن تطبيقها. وقد تمّ اغلاق العديد منها في اوروبا وأميركا.
- إن اعتماد أي تقنية يكون مقبولا عند توافر كل الشروط الضرورية والمناسبة لاستخدامها. لذلك لا يمكن ان نقارن لبنان بالدول المتقدمة والتي لا تزال تعتمد المحارق بسبب عدم توافر تلك الشروط لإقامة المحارق واختلاف الوضع في لبنان عن سائر الدول المتقدمة. فالمحارق في الدول الاوروبية تكون في أماكن بعيدة عن الاكتظاظ السكاني وهي تقع ضمن مسطّحات تسمح بتفكك الانبعاثات الناتجة في الهواء، أما طبيعة لبنان فساحلية جبلية مما يشكّل حاجزا أمام تفكك الانبعاثات، خصوصاً عندما يصبح الهواء مشبّعا بالملوثات، إذ - وعلى مر السنين - إن الانبعاثات ستصطدم بالجبال وستشكل غيمة ضبابية مليئة بالملوثات.
من جهة أخرى، يفتقد لبنان لأصحاب الخبرات والكفاءة العالية والتكنولوجيا المتطورة التي تطلبها ادارة، تشغيل ومراقبة سير العمليات في المحارق. كما وأن غياب الرقابة على هذه المحارق يؤدي الى ارتفاع نسبة التلوث والامراض.
- إن حصر معالجة النفايات بمعمل يعتمد تقنية الحرق يؤثر سلبا على الصناعات المحلية ويحدّ من فرص العمل أمام العمال والمهندسين اللبنانيين. كما وانه يشجّع المجتمع بطريقة غير مباشرة على زيادة كمية النفايات لتلبية حاجة المحرقة فيغيب تدريجيّا مبدأ التخفيف، اعادة الاستعمال والفرز.

 

الحل البديل عن المحارق لمعالجة صحية مستدامة

إن طبيعة لبنان الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية ونوعية نفاياته المنزلية لا تتناسب مع اعتماد تقنية الحرق كحل لمعالجة الأزمة. لذلك يجب وضع نظام متكامل لإدارة النفايات يقوم على:
- اعتماد مبدأ التخفيف من انتاج النفايات ونشر الثقافة والوعي بين المواطنين على أهميته وتبنّي هذا المبدأ من خلال ترجمته في استراتيجية وقوانين تفرض ضريبة على منتجات تتحول بسرعة وبكثرة الى نفايات، وتدعم منتجات صديقة للبيئة.
- اعتماد مبدأ الفرز من المصدر، ولو في المرحلة الأولى بين العضوي وغير العضوي، وتشجيع البلديات والمواطنين على تطبيقه بوسائل عديدة كحصولهم على مكافأة رمزيّة في حال فرزهم لنفاياتهم. وأيضا توعيتهم ان الفرز من المصدر خطوة هامة في عملية ادارة النفايات اذ انها تحسن نوعية المواد المفرزة لإعادة التدوير ونوعية الكومبوست الناتج عن عملية تسبيخ المواد العضوية.
- وضع نظام للجمع المنفصل للنفايات التي تم فرزها ونقلها في شاحنات مخصصة إلى عدة معامل ضمن نطاق البلديات المعنية حيث هناك مراكز للفرز الإضافي والتعريب وتحضير الموارد لتدويرها وإعادة إدخالها في الدورة الإنتاجية لصناعاتنا نظرا لأثرها الإيجابي على النشاط الصناعي والاقتصادي من خلال خلق فرص عمل جديدة، وتوفير الموارد الأولية عبر إدخال الموارد الثانوية الاتية من النفايات في حلقة الإنتاج، وتوفير الطاقة، وتنمية الصناعة اللبنانية باعتبارها قطاعا منتجا وأساسيا لعدد كبير من المواطنين.
- تحويل المواد العضوية الى كومبوست وفق تقنيات متقدمة. اذ ان معامل التسبيخ الحديثة تقوم على نظام بيئي صحيّ يحاكي الطبيعة فتتحول المكونات العضوية الى كومبوست فئة A والذي يستورده اليوم السوق اللبناني لتلبية الحاجات الزراعية. ويمكن أيضا معالجة المواد العضوية بتقنية الهضم اللاّهوائي Anaerobic Digestion فينتج الغاز الحيويّ الغني بالميثان، ويستخدم لتوليد الطاقة.
- تحويل المواد الصلبة الى الفرم والمكابس بعد فصل كل المواد القابلة لإعادة التدوير وبعد اعادة تصنيع العوادم البلاستيكية والورق وغيرها.
إن أزمة النفايات في لبنان يمكن أن تعالج بكلفة ومخاطر أقل وبجدوى اقتصادية واجتماعية عالية جدا، في حال اعتماد خيار الإدارة المتكاملة للملف، عبر العمل على تخفيف كمياتها، وتطوير وتوسيع وتعميم مراكز الفرز والتدوير والتسبيخ، واعادة تصنيع المواد البلاستيكية، واعتماد الطمر الصحي في مواقع تتوافر فيها المواصفات والمعايير البيئية، وعلى مقربة من مراكز الفرز.
أما خيار المحارق، فهو ليس حلّا يتلاءم مع حالة لبنان وانما خيار يدمّر ويلوث البيئة والصحة العامة ويهدر المال العام ولا يستجيب لمصالح الشعب اللبناني العليا. وهو لا يتناسب مع مبدأ «صفر نفايات» الذي يتّجه العالم نحوه.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا