«الراي» تفتح ملف تداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية في الذكرى الخامسة والثلاثين لشرارة 13 أبريل

الحرب الأهلية في لبنان «تاريخ أسود» قد يعيد نفسه لعوامل ثلاثة: مذهبية متجذرة... وتدخلات «جاهزة»... ودولة غائبة

تصغير
تكبير
| بيروت - من ريتا فرج |

تبدو الذاكرة الجماعية اللبنانية مُثقلة بالتعرجات لكثرة ما يحويه تاريخها من عنف دموي، بدءاً بالفتنة المذهبية العام 1860 مروراً بالحرب الأهلية العام 1975 وصولاً الى الحروب الكامنة، التي ما برحت حتى اللحظة قادرة على اعادة أمراء الطوائف الى معكسر الاقتتال، وسط «الجنون» السياسي الذي يغزو البانوراما الحاكمة في لبنان، والتي لم تستطع حتى اللحظة بناء دولة قوية قادرة على ضبط الأمن واسكات المتلاعبين في الداخل والخارج.

الحرب الأهلية الأخيرة التي انطلقت شرارتها يوم الأحد 13 أبريل 1975 لم تكن انتاج لحظة تاريخية عابرة، فالجماعات الطائفية في لبنان اعتادت على أنماط من القلق الوجودي الذي يعتري بنيتها، على وقع امتدادات اقليمية ودولية تتحكم في مسارها. فما الذي يجعل البيئات الحاضنة للتعدد الديني قابلة للدخول في الفتن المتعاقبة؟ الحروب الأهلية التي شهدتها مناطق أخرى من العالم كما حدث في أوروبا ابان القرون الوسطى، مرت بالتحولات الدرامية نفسها، لكنها نجحت في تخطي انقساماتها الدينية بعدما تبنت شعار العلمانية، وبنت دولة حديثة على قاعدة احترام المواطنية والعقد الاجتماعي بين المواطن والسلطة. أما في لبنان، فما برحت الطبقة السياسية تكرر أزماتها بفعل غياب مركزية الدولة، مع ما يرافق ذلك من شرخ طبقي ومذهبي يظهر على السطح بسرعة كلما توافرت الشروط الداخلية والخارجية لتكرار مشهد العنف.



الشرارة الأولى

يوم الأحد 13 أبريل 1975 لم يكن تاريخاً عادياً، ومعه انطلقت الشرارة الأولى للحرب الأهلية. آنذاك كان أحد الاوتوبيسات يقل عدداً من الفلسطينيين الآتين من مسيرة في الذكرى الأولى لعملية الخالصة التي نظمتها «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» و«قوات الثورة الفلسطينية». وحين وصل الى محلة عين الرمانة احدى الضواحي الشرقية لمدينة بيروت، أُطلق الرصاص بغزارة على ما يعرف بـ «بوسطة عين الرمانة» وقتل وجُرح جميع من فيها. وعلى الأثر أعلن حزب الكتائب أن سيارتين صغيرتين افتعلتا الحادث الذي وقع ضحيته 30 قتيلاً بينهم 26 فلسطينياً. وعلى الفور وجه رئيس «منظمة التحرير الفلسطينية» ياسر عرفات برقية الى الرؤساء والملوك العرب جاء فيها: «ان المجزرة التي نفذتها عصابات حزب الكتائب المسلحة ضد أبناء شعبنا الأبرياء العزل، هي مؤامرة مكشوفة تقوم بها هذه العصابات بتنسيق وتوجيه من الامبريالية والصهيونية على أرض لبنان الشقيق في محاولة مكشوفة لخلق الفتنة وضرب الأخوة الفلسطينية - اللبنانية». اذاً، اندلعت الحرب واستمرت منذ ذلك العام حتى الترحيل القسري للعماد ميشال عون العام 1990 بعدما خاض «حربه التحريرية» ضد سورية، وبعد توقيع «اتفاق الطائف» العام 1989 برعاية سعودية. قبل تلك الأحداث، دخلت القوات السورية لبنان العام 1976 بعدما أدركت دمشق أن أي اضطراب سيهدد أمنها. ولعل ما صرح به وزير الخارجية السوري عبد الحليم خدام في 7 يناير من العام نفسه، يشي بحدة هواجس النظام السوري، اذ قال حينها أن «الوضع اللبناني يستأثر باهتمامنا الكبير. فهو وضع حساس بالنسبة الينا في سورية، لقد أوضحنا بصورة قاطعة أننا لن نسمح بتقسيم لبنان، فأي مباشرة للتقسيم ستعني تدخلنا الفوري، فلبنان كان جزءاً من سورية ولسوف نعيده لدى أي محاولة فعلية للتقسيم. وينبغي أن يكون واضحاً أن هذا القول لا يعني الأقضية الأربعة فقط ولا الساحل، بل يعني جبل لبنان أيضاً. فلبنان اما أن يكون موحداً واما أن يعود الى سورية».



أسباب عدة وحقيقة واحدة


تعددت النظريات حول أسباب حرب 1975 فبين من قال أنها مخطط اسرائيلي للقضاء على المقاومة الفلسطينية في لبنان، وبين من أكد أنها مفتعلة مسبقاً من جانب قوى اقليمية ودولية للتغطية على «اتفاقية كامب ديفيد» التي وقعها الرئيس المصري الراحل أنور السادات زمن الرئيس الأميركي جيمي كارتر، وذلك بعد زيارته الجريئة للقدس في 18 نوفمبر 1979 والخطاب الذي ألقاه في الكنيست الاسرائيلية، وبين من اعتبر أن تمادي المارونية السياسية أدى الى اشعال الفتيل، وبين من أشار الى أن حرب لبنان تهدف الى اتمام وتيرة القضاء على التيار القومي الآخذ في التمدد، وتحديداً اثر الوفاة المفاجئة لأهم رموزه جمال عبد الناصر العام 1970، ثم اغتيال الملك فيصل في 25 مارس 1975 أي قبل أقل من عشرين يوماً من بداية الحرب في لبنان. أسباب متعددة قيل أنها أدت الى الحرب، وقد تكون جميعها عبرت عن أزمة لبنان ومحيطه المتفجر، لكن ما يمكن تأكيده انطلاقاً من كل السيناريوات المقدمة، أن الجماعات الطائفية وقادتها امتلكوا الرصيد الأقوى في تفجير الحرب، بفعل غياب الدولة وسريان التمذهب في بنى المجتمع اللبناني، ما أفقده القدرة على مواجهة العواصف الأمنية الآتية من الداخل.



العنف الخفي

تداعيات الحرب الأهلية التي استمرت 15 عاماً أدت الى هدم ما تبقى من مؤسسات الدولة، وأوقعت 144 ألف قتيل و197 ألف جريح الى جانب عدد لا يستهان به من المفقودين. كما أحدثت شرخاً بين طبقة اغتنت بفضل مغانم الحرب، وأخرى كادت أن تصل الى خط الفقر. لكن الأخطر من هذا كله، حالة الانشطار المذهبي التي تعمقت، ما جعلها قنبلة موقوتة مهددة بالانفجار في أي لحظة في ظل انعدام قدرة الدولة وحالة التمذهب لدى الأحزاب اللبنانية. ولبنان الذي تتخبط جماعاته في إرهاب الخوف من الآخر الديني منذ أواسط القرن الثامن عشر، ما زال يعاني هذه العقدة. فالموارنة يخشون تصاعد نفوذ المسلمين نتيجة تشذيب بعض صلاحياتهم في الدستور الجديد، والسُنّة غير قادرين على الامساك بزمام الحكم في شكل كامل وخصوصاً بعد خروج الشيعية السياسية من كبوتها التي مرت بمراحل متعرجة، دشنها الامام موسى الصدر وأكملها «حزب الله» المالك لأهم الأوراق. ولعل تجربة السابع من مايو 2008 تمثل الدليل القاطع على ذلك.

في الذكرى الخامسة والثلاثين للحرب الأهلية في لبنان، فتحت «الراي» ملف تداعياتها السياسية والاجتماعية والنفسية على غالبية فئات المجتمع، وسألت ما اذا كانت بذور الفتنة لا تزال كامنة في الفسيفساء الدينية وسط تصاعد الخطاب المذهبي والقلق الذي يعتري كل الطوائف؟ هذه العناوين وغيرها طُرحت على كل من الدكتور هاشم الحسيني أستاذ الدراسات العليا في كلية الاعلام الجامعة اللبنانية، والدكتور زهير حطب أستاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية، والدكتور عادل عقل المحلل النفسي وأستاذ علم النفس العيادي في جامعة القديس يوسف.

 

حطب: الطوائف اللبنانية تعرقل قيام الدولة القوية

واستمرار سطوة التمذهب يهدد بدورة عنف جديدة



يرى أستاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية زهير حطب أن قوى الأمر الواقع التي كانت في موقع المواجهة الميليشوية تتحكم اليوم في السلطة والاقتصاد، وما فاقم هذه الحالة الجديدة غياب مشروع الدولة الحديثة. ويعتبر أنه إذا استمرت الحالة على ما هي عليه من سطوة التمذهب، فلبنان معرض للدخول في دورة من العنف الجديدة.

• أحدثت الحرب الأهلية انقساماً مذهبياً وطبقياً في بنية المجتمع اللبناني. كيف يمكن رصدّ هذا الانقسام، وما أبرز تداعياته على فئات المجتمع اللبناني؟

- الأحداث البارزة والمصيرية في حياة الأفراد والمجتمعات، تشكل مناسبات ومداخل للتغيير ولإحداث التحولات العميقة في بنية الفرد والمجتمع. وكلما كان الحدث ممتداً في الزمن، ومتعمقاً في الجذور، ترك آثاراً بنيوية يصعب نكران وجودها. فكيف بأحداث دموية تضافرت في تحقيقها وتفاعلاتها قوى محلية وخارجية امتدت أكثر من عقدين ولا تزال؟ أحداث الحرب الأهلية ما زالت تداعياتها ونتائجها تحفر في أرض الواقع اللبناني، بل نكاد نعتقد أنها أرست القاعدة الأساسية لتوزيع الجماعات الدينية في لبنان. طبعاً، تتنوع نتائج الحرب خصوصاً على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي تنوعاً شديداً. أولاً: برزت فئات وقوى اجتماعية صاعدة، تحكمت في مجريات الواقع المحلي، وأعني بذلك القوى التي انخرطت في الحرب وانتقلت من مواقع المواجهة الميليشيوية إلى مواقع الحكم والتمثيل الرسمي للمجموعات اللبنانية. هذه القوى لم يكن لها أثر قبل عقدين وأصبحت اليوم ممسكة بتلابيب الجمهورية. ثانياً، تجمعت ثروات ومداخيل ورساميل ومصالح اقتصادية ضمن القوى الصاعدة نفسها، وبرزت تالياً كقوة اقتصادية إلى جانب اعتبارها قوى تملك القوة الرادعة والتمثيل الشرعي. فالمجتمع اللبناني اليوم، تعود ملكية بناه الاقتصادية في صورة مباشرة أو غير مباشرة إلى أعضاء الفريق الحاكم، أو من يمت لهم بصلة القرابة، أو بصلة الانتماء إلى هيكلياتهم السياسية. وتلاحم المستويين السياسي والاقتصادي يعزز تماسك قوى الأمر الواقع، ويزيد صلابته ويا للأسف، الانتماء الأحادي إلى مذهب معين ضمن طائفة معينة. الحرب اللبنانية أدت إلى إعادة فرز قوى الطوائف، وجعلتها تُعيد تمركزها واحتلالها للمراتب التي تؤمن مصالحها. من هنا، فإن بعض القطاعات الاقتصادية باتت اليوم موزعة ضمن مؤسسات مستقلة، يمثل مجموعها مجموع الطوائف في لبنان. وعليه فإن ما يوفره هذا القطاع وغيره يوزع بالتساوي على الطوائف والمذاهب الممثلة عبر المؤسسات الموجودة فيه. ثالثاً: هذه البنية الاقتصادية الاجتماعية فتحت المجال واسعاً لتطييف سلوك المستهلكين، وبالتالي أصبح كل مستهلك يبدأ مشواره الاستهلاكي انطلاقاً من مؤسسة الطائفة، وهو بهذا السلوك يشعر بأنه يعزز مواقع طائفته. ولعل هذا المعطى من أبرز نتائج التوجه الجديد الناتج من الحرب الأهلية، والهادف في الدرجة الأولى إلى اضعاف فكرة الصراع الطبقي، على أساس أن الجميع يشعرون بأنهم في حماية الطائفة ورموزها وقواها الفاعلة. فالصغار الذين يحتلون المراتب الدنيا في سلم المعيشة اليومية، تتوافر لهم تقديمات ومساعدات ودعم مادي ومنح تعليمية من مكاتب المساعدة الاجتماعية للطوائف، الأمر الذي يقوي دور الوسيط بين القاعدة ورأس الهرم في الطائفة. وهذه المهمة يؤديها رجال الدين الممسكون بصندوق الاعانات الخيري. لكل طائفة أولويات تحفظ لها مصالحها، وهذا المؤشر برز في شكل ساطع إثر الحرب اللبنانية، الأمر الذي يغيب وجود صراع طبقي نتيجة التكافل الذي تؤمنه الطوائف لأبنائها.

• الحروب الأهلية التي شهدتها أوروبا أدت لاحقاً إلى بناء مقومات الدولة الحديثة نتيجة الفصل بين الديني والسياسي وتعزيز المواطنية، في حين أن لبنان في حروبه المتعاقبة لم يصل حتى اللحظة إلى تحقيق ذلك. إلى أي مدى يساهم غياب الدولة بمعناها الحديث في تجديد دورة العنف؟

- تداعيات الحرب الأهلية لم تنته فصولها. وأوروبا التي مرت بفترة النزاعات الدينية التي استمرت لأكثر من مئة عام، وقدمت خلالها الشعوب الاوروبية تضحيات ضخمة انتهت بحربين عالميتين، كان من بين نتائجها بناء الدولة الحديثة. عجز الدول العربية ومن بينها لبنان في بناء مقومات الدولة الحديثة يرتبط بمعطيات داخلية وخارجية عدة، وخصوصاً أن الكيانات السياسية الناشئة خرجت من الاستعمار حديثاً، عدا عن أن المفاهيم القبلية والطائفية التي تغزو العالم العربي أعاقت هذا المشروع. ففي لبنان نجد أن الطوائف تعرقل قيام الدولة القوية، وهذه المسألة ليست انتاج الحقبة الراهنة فقط، بل هي قديمة العهد أقله منذ نيل لبنان استقلاله العام 1943. وكنتيجة لعدم توطيد دعائم الدولة، تعززت النزاعات الداخلية ما جعل لبنان بيئة جاهزة على الدوام لدخول وتيرة من العنف الدوري. ويؤدي العامل الإقليمي دوراً في عرقلة هذا المشروع، بسبب الارتباط الديني أو السياسي لقوى أمر الواقع بالخارج، الأمر الذي يفقد الدولة قدرتها على معالجة مشاكلها ودعم وجودها وتثبيت قواعدها في وجه الحالة الطائفية المتفاقمة. وإذا استمرت السلطة الحاكمة في تغليب الطائفية والاصطفاف المذهبي وسط عدم توافر الشروط الآيلة لقيام دولة حديثة قائمة على العقد الاجتماعي، فستكرر إنتاج أزماتها وعنفها بين فترة وأخرى.

• هل الصراع الطائفي يشكل العامل الأبرز في تأجيج أي حرب محتملة في لبنان وخصوصاً إذا قارنا هذا الصراع بالقلق الذي تعيشه اليوم غالبية الجماعات الدينية؟

- أصبح العامل الديني والمذهبي محركاً أساسياً وحاسماً لكل السياسات في منطقة الشرق الأوسط من جهة وفي الداخل اللبناني من جهة أخرى. ورغم أن غالبية القوى اللبنانية اختبرت نتائجه التدميرية على بناها البشرية والسياسية والاقتصادية والثقافية، فهي ما زالت عاجزة وغير قادرة على تجنب مفاعيله، بل على العكس تسعى إلى جرّ الآخرين، لأنها تدرك أن العامل المذهبي يشكل الطريق الأقصر لوصولها إلى السلطة. والمؤسف أن جميع الطوائف في لبنان اختبرت مواقعها، عبر محاولة احتكار السلطة ومحاولة التفرد بالحكم، الأمر الذي أنتج ويلات على بنى المجتمع اللبناني. يبقى أن بعض الطوائف لم تختبر بعد هذه المسألة وهي تسعى اليها، باعتبار أنها قادرة على تجنب الوقوع في أخطاء الآخرين، ما سيدخل لبنان في دوائر حلزونية من الصراع المتنامي وغير المحدد الأفق والنهايات، رغم أن الوقائع التاريخية كافية لإفشال كل الأوهام السلطوية الساعية إلى التفرد بالسلطة. القلق الجماعي الذي تمت الإشارة إليه في السؤال يتنامى في شكل ملحوظ عند كل الطوائف في لبنان، وتبرز تجلياته عند المسيحيين تحديداً، بعدما مروا بتجربة احتكار السلطة. والسؤال: هل ستلجأ إحدى الطوائف التي تشهد تنامياً في مقدراتها السياسية والاقتصادية والجماهيرية إلى تكرار التجربة نفسها؟ إذا بقي مشروع الدولة الحديثة غائباً، وسط حالة التوتر المذهبي، فلبنان سيكرر تجارب الحرب السابقة، والواقع الذي نمر به اليوم يؤكد هذه الفرضية.

• الى أي حد تعزز الأحزاب اللبنانية التي اتخذ معظمها طابعاً طائفياً إمكان دخول الجماعات الأهلية في لبنان في دورة من العنف أو الحرب الأهلية كما حدث العام 1975؟

- ما زال العنف مستمراً في لبنان، وجذوره عميقة في التاريخ الحديث، ودور الأحزاب بالمعنى المعاصر غير متوافر في الحالة اللبنانية، باعتبار أن غالبيتها تتبنى مشروعاً دينياً في شكل مباشر، فيما البعض الآخر يضمره من دون إعلانه. وهذه المسألة نجدها عند التنظيمات الإسلامية في شكل واضح، وهي أقل بروزاً عند أحزاب دينية أخرى، ترفض الاقرار بأجندتها الحقيقية خشية رد الفعل، وتلجا عموماً إلى الباطنية السياسية، بمعنى أنها تظهر للرأي العام أنها تدعو إلى الانخراط في الدولة ولكنها تعمل في الخفاء لتنفيذ أجندتها. المؤسف أن التيارات اليسارية والقومية في لبنان لم يعد لها حضور ذي فعالية، بل على العكس تتحالف مع الأحزاب الدينية رغم وجود شرخ ايديولوجي بين الجانبين. هذه القوى العلمانية الذي وصلت إلى ذروتها في الستينات تراجعت بفعل عدد من المعطيات أبرزها المدّ الديني الذي أعقب نجاح الثورة الإسلامية في إيران والسقوط المدوي لمشروعات الوحدة التي نادت بها الناصرية. غلبة التيار الديني في لبنان ترتبط بالسياق الداخلي والخارجي في آن واحد، والتحول الذي يمكن الحديث عنه هو أن بعض الأحزاب التي تدعي أنها تملك رؤية علمانية تتصرف بطائفية مفرطة، لا تقل خطراً عن المفاهيم القبلية القائمة على تقاسم ثروات الدولة ومقدراتها. الواقع أن المسألة اللبنانية كثيرة التشابك يتداخل فيها الداخلي مع الخارجي، ويأتي غياب أي طرح عقلاني ليعزز تطييف الأحزاب التي تحقق مشروعيتها في توافر عناصر البؤر الطائفية. أما لجوؤها إلى خطاب علماني فسيجعلها تخسر مواقعها، نتيجة ظهور قوى سياسية جديدة منافسة لها.

 

عقل: الحرب اللبنانية فاقمت قلق الأفراد وعدم توازنهم

وجعلت العلاقة مع الآخر مبنية على الرفض والحقد



في قراءة نفسية لمؤثرات الحرب الأهلية، يرى أستاذ علم النفس العيادي في جامعة «القديس يوسف» عادل عقل أن هذه الحرب فاقمت من حدة القلق وعدم التوازن عند الفرد بسبب الصدمة التي تلقاها، وتتجلى هذه الاضطرابات في الخوف من المستقبل وعدم الثقة بالنفس والآخر وغياب القدرة على التأقلم. ويلفت إلى أن تجربة الحرب كانت مدمرة للبنيان المجتمعي اللبناني، معتبراً أن تصاعد العنف اللفظي في الشارع اللبناني يعكس عدم التوازن عند المجتمع والفرد.

• الحرب الأهلية تركت مؤثرات نفسية عند غالبية فئات المجتمع اللبناني. ما العلاقة بين العنف السياسي وارتفاع معدلات الأمراض النفسية؟

- حين تمر المجتمعات بمراحل صراعية أليمة في تاريخها، تترك هذه المسألة وقعاً على الأفراد، بمعنى أن كل حدث سياسي، أو اجتماعي، أو صراعي له انعكاسات نفسية وفكرية، تختلف بين شخص وآخر تبعاً لالية امتصاصه للصدمة. الحرب في شكل عام تخلق التنافر بين الجماعات والأفراد وتظهر في أشكال مختلفة. فعلى المستوى الفردي يُحدث العنف اضطرابات نفسية تحتاج إلى معالجة، وتبرز تجليات الصدمة عبر الشعور المتزايد بالقلق الذي تنتج منه عوارض نفسية مختلفة، من بينها التوتر والعصبية وعدم الثقة بالنفس والخوف من المستقبل. وعوارض القلق تتمظهر أيضاً عبر عدم القدرة على النوم، وطغيان الأفكار السوداوية ما يؤثر في القرارات التي يمكن أن يتخذها الانسان إثر تعرضه للصدمة. وقد تصل أحياناً إلى حالات من الانهيار النفسي أو العصبي مع كل ما تحمله من عوارض جسدية.

• الى أي مدى ساهمت الحرب الأهلية في رفع منسوب العنف لجهة علاقة اللبنانيين بعضهم مع بعض؟ وهل تجربتكم الطبية العيادية تكشف ذلك؟

- تجربة الحرب في ذاتها جاءت مدمرة ليس على مستوى ما أنتجته من أمراض نفسية، بل على المستوى الاجتماعي والاقتصادي. الشخص الذي نسميه «الآخر» يكون قبل نشوب أي نزاع أو صراع في مقومات البنيان الذي نتشارك فيه الآمال والمستقبل والآحلام، ولكن حين تقع الحرب فهذا الآخر يتم رفضه من جانب الذات، وتبنى العلاقة بين الطرفين على الحقد والرفض وحتى التفتيش عن الآليات المناسبة لتدميره، وذلك في طريقة واعية ترضي مقومات الخلل الخلقي والنفسي الذي يصبح متلازماً مع الانسان المُحصن من جانب طائفته أو مذهبه أو عقيدته. هذه الأقنعة التي يتستر خلفها كل فرد لمحاربة الآخر، ما هي إلاّ تعبيرات عن اضطرابات نفسية تكون انتاجاً لواقع متوتر، كما حدث ويحدث خلال الحرب الأهلية وما نجم عنها من مؤثرات على البنية الذهنية للأفراد والجماعات.

• القلق النفسي انعكس على فئات المجتمع اللبناني وفاقم من الأمراض النفسية. بعد تجربتكم العيادية في رصد هذه المسألة ما أكثر الاضطرابات النفسية بين اللبنانيين؟

- أكثر الاضطرابات الناتجة من الحرب هي الصدمة النفسية التي تحدث قلقاً عند الناس مع ما تخلفه من تأثيرات وتفاعلات شخصية تفقد الإنسان السيطرة على نفسه. طبعاً هذه الأمراض تفاقمت بعد الحرب الأهلية، وسط تفكك اجتماعي. في حالة العدوان الخارجي يظهر على السطح الترابط المجتمعي بين أبناء الوطن الواحد، بخلاف ما يحدث في حقبة الحرب الداخلية التي تؤدي إلى التراخي في الروابط الاجتماعية، وخصوصاً في الروابط الداخلية للشخصية الفردية. أما العوارض فتتجلى في القلق والاضطراب والصعوبة في التأقلم مع الظروف الجديدة. وعلى هذا الأساس تبرز الصعوبات النفسية عند الفرد بسبب فقدانه التوازنات الداخلية فيقع عندها في الارهاق النفسي الذي يتجلى عبر مؤشرات عدة: عدم القدرة على التكيف، وعدم القدرة على التفاهم والتعامل وقلة التحمل.

• الحرب الأهلية أنتجت معطى أساسياً لا تلحظه كثير من الدراسات في علم النفس، ويتمثل في العنف اللفظي والعنف المباشر الذي يمكن للمراقب أن يلحظه في الشارع اللبناني. ما تفسيركم لذلك؟

- في حالات الحروب والصراعات يصعب اللجوء الى القيم والأخلاقيات التي تضبط المجتمع. وبالنسبة الى الدراسات المولجة درس ما يعرف بـ «العنف اللفظي» فلا أعتقد أن هذه الظاهرة تمت دراستها حتى اليوم. عموماً، عندما يفتقد المجتمع توازنه الداخلي يظهر العنف عند الفرد والجماعة نتيجة غياب الأدبيات والاخلاقيات والضوابط الفكرية، فنجد انتشاراً للتعابير اللفظية الشاذة خلال تعامل الناس في ما بينهم. ونتيجة غياب المرجع القانوني أو الأدبي يصبح الفرد غير قادر على ضبط مشاعره وفي حاجة إلى التعبير العنفي حيال الآخر كأنه لا يفضل وجوده. وهنا أريد الإشارة إلى أن الإعلام اللبناني لا ينشر ما يحدث في الشارع اللبناني في طريقة بريئة، فهو يتعمد اظهار النفور والتصريحات الشاذة في حق الغير، وهذا الجو يخلق نوعاً من المناخ الضاغط على كل إنسان الذي يجد نفسه في وضع هجوم دائم سواء في تعبيره عن مشاعره أو حديثه مع الآخر، بحيث يكون متأهباً على الدوام للرد بطريقة عنيفة.



الحسيني: بذور الحرب الأهلية لا تزال قائمة

وانتقلت من البعد الطائفي إلى البعد المذهبي

 

يشدد أستاذ الدراسات العليا في كلية الاعلام الجامعة اللبنانية هاشم الحسيني على أن بذور الحرب الأهلية ما زالت قائمة، وتحولت من الطابع الطائفي الى الطابع المذهبي، مؤكداً أن العلمانية غير قابلة للتطبيق في الوقت الراهن بفعل تمذهب مكوِّنات المجتمع المدني التي تُعتبر المحرِّك الأساسي لأي تحول مرتقب. ويوضح أن بعض المذاهب تبحث عن توازنات جديدة وقد بدأت بالتعبير عن وجودها بغية تعويض ما لحقها من ظلم وحرمان.

> الجماعات الأهلية في لبنان تعيش حالة من الاضطراب بسبب علاقاتها المتوترة مع الدولة من جهة وبعضها مع البعض الآخر من جهة اخرى. هل يمكن القول ان بذور الحرب ما زالت كامنة اذا ما تمت مقاربتها انطلاقاً من العاملين المذكورين؟

- لو استعرضنا تاريخ لبنان الحديث منذ الاستقلال، لوجدنا أن الوضع في لبنان يتأزم كل فترة، فكل 25 عاماً تنشأ حرب أهلية جديدة، وطرح هذا السؤال مسألة منطقية. المعروف أن الحروب الأهلية هي حروب بين جماعات البلد الواحد، وقد خبرتها بلدان متعددة في العالم، وكثرت هذه النزاعات مع نشوء الكيانات الجديدة في مرحلة بناء الدولة الوطنية التي أعقبت فترة الاستقلالات، علماً أن هذه الكيانات لم تكن مبنية على أسس ثابتة وراسخة، وكان من الطبيعي أن تحدث فيها صراعات ضمن من ينتمون الى البلد الواحد. لبنان وضعه كوضع هذه البلدان، انه كيان سياسي حديث، بُني على توازن الجماعات المحلية التي تعيش على أرضه، والتي يُعبر عنها بالطوائف الدينية، الممثلة للقوى السياسية المكوِّنة لهذا البلد، بحيث ان الأحزاب السياسية ليست في مركز الثقل، وانما مركز الثقل محصور بالطوائف التي تتنازع الصفوف الأمامية خصوصاً اذا رصدنا التحولات الديموغرافية والهجرة الداخلية والتحولات الاقتصادية والعلمية والاجتماعية عند بعض مكوِّنات المجتمع اللبناني، ما أدى الى احداث تغيير في التوازنات الأولى، وأنتج انفجاراً للصراعات كان أكبرها صراع 13 أبريل 1975. طبعاً، كان هذا النزاع مرتكزاً على طائفتين، كل منهما يشتمل على مذاهب عدة. فالصراع كان قائماً بين المسلمين والمسيحيين، وقد أدت العوامل الخارجية دوراً في تأجيج الفتنة، الاّ أن نواة هذا الصراع قائمة داخله. اليوم تغير المشهد، باعتبار أن الصراع بين طائفتين كبيرتين تضمان مذاهب فرعية أصبح أكثر تشابكاً بعدما قوي دور المذاهب الدينية، فاتخذ النزاع صيغة مذهبية فاقمت الأزمة، وبذلك اختلفت مسببات المواجهة، فتداخل جزء من المسيحيين مع جزء من المسلمين. هذا يعني أنه بعدما كانت الحرب الأهلية تعبر عن الصدام بين كتلتين طائفيتين كبريين، غدت اليوم حرباً مذهبية مضمرة، أي أن الصراع ما عاد يتمحور بين المسلمين والمسيحيين وانما يتمثل في النزاع المذهبي. هذا لا يعني أن الشعور بالانتماء الى كل من هاتين الكتلتين انتهى أمره، فالشعور الديني لا يزال حاضراً، انما شكل الصراع لم يعد كما كان في السابق، ولم يعد موجهاً من طائفة الى طائفة أخرى. الحالة المأزومة اليوم وعدم الثقة ينذران بتجدد الصدام المذهبي، ما يجعل لبنان عرضة للخضات اذا دخلت عناصر داخلية أو خارجية يساهم كل منها في تعزيز أي توتر محتمل، عدا عن أن موقع هذا البلد في المجموعة العربية، وموقعه على حدود اسرائيل، يجعل المسألة قابلة للانفجار في أي لحظة.

> يمارس الاعلام اللبناني دوراً أساسياً في تأليب الرأي العام، ومعلوم أن الوسائل الاعلامية هي انتاج الانقسام الطائفي والسياسي المتولد من الحرب الأهلية. الى أي مدى يتحمل الاعلام مسؤولية تعميق الشرخ بين اللبنانيين؟

- رغم أن هذه الوسائل الاعلامية عرضة للتأثيرات الخارجية المتمثلة بالقوى السياسية والطائفية، الاّ أنها ليست هي التي تنتج المشاكل الاجتماعية وليست هي التي تكوِّن بؤر الصراع الاجتماعي والسياسي في لبنان، بل تعكس الواقع ولا يتعدى دورها التأجيج أو التلطيف، من دون المساهمة في انتاج النزاع. الاعلام مُستقى من الأسلوب العربي واللبناني الذي يتكلم بلغة عنيفة ولا يعتمد اللغة الباردة، ما يؤدي الى تصنيف المواقف، أو تأجيج الصراعات، غير أنه لا يستطيع انتاجها. ولو تصرف الاعلام بلغة باردة لربما هدأ من الصراعات وحدّ من مؤثراتها، لكنه لن يستطيع الغاءها. من الطبيعي أن يكون الاعلام مرآة لما يحدث، فهو يعكس الصورة كما هي ويعبر عنها في شكل حاد، خصوصاً أن كل طائفة أو جهة سياسية لديها وسائلها الاعلامية الخاصة، وبالتالي سيكون موقفها كموقف الجهة التي تمثلها. ولا أظن أننا نكون منصفين في حق الاعلام اذا حملناه مسؤولية ما يجري، لكننا لا نبرئه لجهة كونه يعبر عن نفسه بقوة بدل الاعتماد على الواقعية. هذا لا يمنع أن بعض الوسائل هي أكثر برودة في تعبيرها عن ذاتها وأكثر مهارة في التعبير عن موقعها بحيث تبدو أكثر اعتدالاً في لهجتها، من دون أن يعني ذلك أنها متساوية في الحدة والعنف. فلكل وسيلة مهارتها الخاصة وأسلوبها الخاص، وهي تُعبر عن وجهة النظر التي توجهها.

> كلما توترت الأجواء السياسية في لبنان طفت على السطح مؤثرات العنف الطائفي. لماذا في رأيك عجزت الدولة عن احتواء أبنائها، وهل طبيعة النظام السياسي اللبناني تعزز مولِّدات العنف؟

- في رأيي أن العنف ليس طبيعة في بنية النظام اللبناني. ليس ثمة دولة مستقلة عن مركباتها ومكوناتها الطائفية القائمة على الصراعات العديدة في كل مرة تحدث أزمة. وحين تكون الأجواء العامة في حالة هادئة، لا تبدو هذه الأزمات حادة، واذا ظهرت مشكلة ما يتأزم عندها الوضع بين الحاكم والمحكوم.

> هل التطبيق التراكمي للعلمنة من شأنه الحد من العنف الطائفي؟

- هذا السؤال افتراضي جداً، العلمانية أساساً غير مطبقة في لبنان وليس ثمة بذور لها، فالنزعة الطائفية القائمة هي الأقوى ما يعوق التقدم بهذا المشروع. واذا تحدثنا عن تراكم العلمانية في لبنان على قاعدة التقدم خطوة خطوة، فالمسألة فيها صعوبات بسبب غياب الآليات التطبيقية نفسها. واذا أردنا الحديث عن العلمانية عند مؤسسات المجتمع المدني، فهي أيضاً ليست قائمة، لأن هذه المؤسسات هي في أغلب الظن جمعيات أهلية وليست مدنية يقول بعضها بالعلمانية والديموقراطية، ولكنها لا تملك أي تأثير، باعتبار أن مواقعها ومواقفها الحالية لا تخولها جبه الطائفية السياسية. قد يقول قائل ان هناك بعض البوادر، ولكن هذه البوادر معاكسة لأن هناك جمعيات طائفية لا تتبنى رأيها، وعلى هذا الأساس لا أجد تراكماً للعلمانية بل على العكس تصاعداً للخطاب المذهبي مع التمسك بالطائفية السياسية. ان الغاء الطائفية السياسية يؤثر في الطبقة الحاكمة لأنه يفقدها سلطتها وموقعها في النظام. وفي رأيي أن الحديث الذي تمّ تداوله قبل فترة حول هذه المسألة يندرج في اطار المزايدات.

> تعدد الطوائف في لبنان ساهم في اغناء هذا البلد من جهة ولكنه أسس للتناحر الطائفي والمذهبي من جهة أخرى. هل تشكل البيئات الحاضنة للتعدد المذهبي كما هي الحال في لبنان تربة خصبة للعنف؟

- لا شك أن تعدد الطوائف اللبنانية أدى في السابق الى مواقف متناقضة في ما بينها، انعكست على الواقع الاجتماعي والسياسي. وبعد الانتقال من مرحلة الطائفية الى المذهبية، تفاقم هذا الصراع على مستوى التفاصيل، وبدل أن يأخذ بعداً طائفياً، أصبح بين مذاهب عدة. معلوم أن بعض المذاهب بدأت بالتعبير عن وجودها وتريد التعويض عمّا ترى أنه لحقها من ظلم وحرمان في فترات سابقة، وهي تعمل على تحقيق توازن جديد يتلاءم مع حجمها الحالي الذي لم يكن معترفاً به في مراحل سابقة، ما سيؤدي الى نزاع ليس على مستوى الطوائف الكبرى، بل بين المذاهب، على قاعدة أن كل فريق يريد أن يؤمن لنفسه حالة من التوازن، أو يريد أن يجد لنفسه حيزاً في المعادلة الجديدة. ولا شك أن التعدد القائم على الانقسامات يجدد دورات العنف بسبب غياب الثقة بين غالبية الفئات المكوِّنة له. وحين تعمد السلطة الحاكمة الى تأمين الحد الأدنى من متطلبات المواطن وتلجأ الى الحوار العقلاني مع فئات المجتمع اللبناني بكل أطيافة الدينية والمجتمعية، فهذا الأمر سيخفف من حدة العنف وسيمنع لبنان من اعادة تكرار الحرب الأهلية التي تركت تأثيرات مدمرة على الناس والسلطة والطوائف.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي