محطة / محفوظ عبد الرحمن في دار الكتب: الدراما التاريخية مزيج من العمل الوثائقي والإبداع الأدبي

  • 14 يونيو 2008 12:00 ص
| القاهرة - من داليا جمال طاهر |

نظمت دار الكتب والوثائق القومية في مصر أخيرا... لقاء ثقافيا مع الكاتب والسيناريست محفوظ عبد الرحمن بعنوان «التاريخ والدراما... نحو أداء أكاديمي منضبط» أداره رئيس الادارة المركزية العلمية، في دار الكتب الدكتور السيد فليفل.

فليفل... لفت بداية الى أن... أهم ما يكتبه محفوظ عبد الرحمن... كان يدور في أغلب مجالاته حول «المعشوقة الجميلة» التي يجب أن نتيّم بحبها... وكانت له أيضا من الأعمال الوطنية ما لا يخفى عليها، غير أننا لاحظنا كمؤرخين معنيين بالتأريخ وبما مضى من أحداث هذه الأمه وأحداث هذا الشعب وأحداث هذا الوطن المصري... أنه يمتلك «قلماً صادقاً» يراعي الى أبعد مدى حقائق التاريخ، لن يتجاوزها ولن يزيفها ناهيكم عن أن يوظفها كغير ما كانت قد كتبت له.

وقال: ولأن محفوظ عبد الرحمن... ذو قيمة كبيرة ولأنه أثرى حياة هذا الشعب فقط حدث في الآونة الأخيرة كثير من الكتابات التي ملأت الشاشات صغيرها وكبيرها والصفحات في الجرائد والمجلات ، مما تناول تاريخ الوطن، فأردنا أن نسمع منه أين يبدأ الابداع اذا تناولنا دراما تاريخية؟ وأين ينتهي؟ وأين يكون الخط الفاصل بين الحقائق التاريخية وبين قدرة المؤلف على طرح ما يريد من الابداع ؟ وما هو الفاصل الذي يمكن أن نقوله بين شخصية نعرفها وشخصية متخيلة لهذا المبدع؟

ومن جانبه، قال الكاتب محفوظ عبد الرحمن: أول ما يطرح الموضوع « دراما تاريخية»... اذن توجد دراما ويوجد تاريخ، فهناك جزءان لابد من مناقشتهما، الدراما التاريخية ليست وليدة هذا الزمن ولا وليدة مسلسل ولا فيلم، انما هي فن قديم جدا قد يكون أقدم الفنون، اذا حاولنا أن نبحث في تاريخ الدراما التاريخية فانها تجمع بين التاريخ والابداع وبين التأليف والتأريخ وبين التأليف والشعر، سنجد المسألة تمتد لعصور طويلة جدا وأقدم ما نعرفه هو الالياذة، أوزوريس لما كتب هذا كان يعتقد أنه يكتب دراما تاريخية لأنه يجمع بين التاريخ كما كان يراه وبين التأليف أو الدراما أو التقليد بشكل قصصي جميل.

وتساءل الدكتور السيد فليفل: عندما أردت أن تكتب «ناصر 56» مثلاً... ما هي الاجراءات ذات الصلة بعلم التاريخ التي قمت بها؟

فأجاب محفوظ عبد الرحمن: مرحلة التحضير عادة تكون أطول من مرحلة الكتابة بكثير - التحضير لأي موضوع - هذا كان من أقل المرات التي قابلتها في التحضير لأني كنت قارئا ومتابعا جيداً وكنت مهتما جدا بتأميم قناة السويس، فكانت مرحلة التحضير أقل من غيرها بكثير، قرأت كل المراجع المتاحة في هذا الموضوع، قرأت في الصحف اليومية قبل تأميم القناة بيومين وبعدها بأيام ماذا يقال وشكل المناخ العام وما الذي يهتم به الناس ، ثم عملت لقاءات وشهادات.

وتساءل فليفل: هل تخرجك في قسم التاريخ له علاقة باختيارك لموضوعات معينة؟

فأجاب محفوظ: على العكس... دخلت قسم التاريخ لأني أريد ذلك... أريد أن أدرس تاريخا.

فرد فليفل: لكن هل كتابتك للدراما التاريخية هي نوع آخر من العمل التاريخي من وجهة نظرك... كنت تتمنى أن تكتبه على الأوراق ؟

فقال محفوظ: بالتأكيد.

تبع ذلك العديد من المداخلات من جانب الاعلاميين والباحثين بدار الكتب والوثائق القومية الدكتور محمد رفعت قال: لابد أن نفرق بين المؤرخ والمبدع، المبدع دائماً يعتمد على الانتقاء، المؤرخ على عكس ذلك ليس عنده انتقاء والا يكون متحيزا، المبدع له حرية الاختيار والانتقاء، كُتاب الدراما أكثر نجاحاً في توصيل التاريخ عن المؤرخين لأنه يعتمد على الـ «Media» خصوصاً التلفزيون أو السينما ويكون طريقه سهلا جدا كي يصل الى الجمهور، وهنا الخطورة اذا لم تكن هناك أمانة وحس وطني عال جدا عند كاتب الدراما سيشوه الأحداث وسيشوه المفاهيم، ويمكن أن أحترمك من كل الأعمال... لما حملت بوابة الحلواني مفاهيم كانت مهمة جدا بالرغم من أن هذه المفاهيم بهذا العمق الذي طرحته على لسان شخصيات بوابة الحلواني تاريخيا لم يكن موجودا لكن مقبول «وطنيا » انه ينزرع وجدانيا في الناس، حتى لو كان في فترة السياق الزمني لم يكن يثار هذا الكلام.

وقال محفوظ: عملت مسلسل «أبيض وأسود»... عن عبد الله النديم وكان غير وارد أن أذكر المراجع... انما أول مسلسل كتبته بعد ذلك كان عن سليمان الحلبي ومراجعه تكتب في سطرين أو ثلاثة أسطر مصادره محدودة، وبالرغم من هذا أحضرت المصادر التي اعتمدت عليها للمخرج قلت له «تقليد جميل نكتب المراجع ولم يفعل ذلك».

أما كبير المذيعين في البرنامج العام عبد الناصر عوض فقال: طبعاً الدراما التاريخية أعتبرها من أهم الأعمال الدرامية التي أحبها، فهذا توثيق للتاريخ ومعرفة، يظل ما نراه من دراما مشوهة وأفلام سينمائية سيئة، وأعتبر ذلك منفذا أو النافذة العلمية التي يتجسد من خلالها التاريخ والعلم، هل فكرت تكتب عن مبارك 2000؟ هذا السؤال دار في ذهني وأنا أسمع مسلسل «سيرة ومسيرة» حاسس ان المسلسل مازلنا نفتخر به، لكن سؤال غريب خطر في ذهني هل عندما نكتب عمن رحلوا هنا المصداقية تكون أكثر؟

ورد محفوظ: كل واحد يكتب في الحياة... عنده كتالوج يدخل به عالم الكتابة... عندي كتالوج لا أقوله وليس مطلوبا أن أقول، انما أنا في الكتالوج لا أكتب عن الأحياء على الاطلاق.

الباحث عصام الغريب قال: دخلت في حوار مع أحد زملائي عن التاريخ وفائدته قال لي: أنا ممكن أشاهد فيلما أو مسلسلا عن الملك فاروق لكن لا أستطيع أن أمسك كتابا عن الملك فاروق وأقرأه، وأشار الى خطورة الدراما التاريخية في تشكيل الوعي والثقافة التاريخية للمواطن المصري والمواطن العربي عامة، وقال : لابد أن يكون هناك ابداع من كاتب الدراما التاريخية لكن هناك ثوابت تاريخية لا نستطيع أن نقترب منها.

وأوضح محفوظ أن... من يكتب دراما تاريخية... هو لا يكتب تاريخا... هو يكتب نوعا من الفن مطلوب أن يصل الى الناس لكن كيف يختاره؟ وتساءل الدكتور مصطفى غريب: هل الدراما التاريخية ليست لها أصول علمية سواء لنا أو للغرب؟ وهل كل المسلسلات تعرض على المؤرخين ليراجعوها؟

فأجاب محفوظ: طبعاً الأساس العلمي اتفقنا على أنه ليس تاريخا، يعني الدراما التاريخية ليست تاريخا ممكن نقول عليه عمل وثائقي أو تسجيلي أو دراما تسجيلية اذا التزمت بكل الوقائع كما هي، بعد الحرب روسيا عملت مجموعة أفلام عن الحرب ووثقت فيها شكل الناس شكلهم مذهل جدا وكانت من أسواء الأفلام، التي أنتجتها يعني متحرية الدقة في كل شيء، انما الأصل أن هناك شيئا من التاريخ يجب أن يكون موثقاً وشيئا من التأليف أو الابداع.

أما أستاذ مساعد التاريخ الحديث والمعاصر حسين العطار فتساءل: ما هو الفرق بين سرد الحدث التاريخي وسرد نفس الحدث تاريخيا؟ وما هو مقدار تضخم الأدب في تزييف أو تزيين التاريخ؟ وما هي أدوات الروائي في التعامل مع الحدث التاريخي؟

فقال محفوظ: الحقيقة كلمة «تزييف» أو تزوير دعابة... الكل يقرأ التاريخ سواء كان كاتب دراما أو حتى أكاديمي ، يقرأ التاريخ كما يرى أنه يقرأه، كل واحد فينا محمل بثقافة وشخصية وانتماء واختيار بحيث انك تقرأ، تريد أن تعرف ما هي أدوات الروائي وما هي أدوات التاريخي؟

وطرحت سميرة أبو طالب تساؤلا عن عنوان الندوة « التاريخ والدراما... نحو أداء أكاديمي منضبط » هل هو ضبط للتاريخ من خلال الدراما أم ضبط لايقاع الدراما من خلال التاريخ؟ فأوضح محفوظ: صدام حسين رأيي أنه دموي... شخصية دموية... أقول ما أعرفه وليس ما يقال.

أيضاً أجري حوارات ولقاءات وهذا ما نقوم به فيما يتعلق بالحصول على الروايات الشفوية أو مقابلة صناع الأحداث أو من لديهم مشاركة فيها، وبالتالي لديه نفس المادة تقريباً التي لدى المؤرخ لكن الصياغة هنا تخرج مختلفة عن الصياغة هناك، وحبذا لو كانت الصياغتان تدوران على الحقائق، وتؤكد أن ذات القيم لأن المجتمعات في حقيقة الأمر لا تمضي بالتاريخ السطحي والتاريخ السردي، انما المجتمعات تمضي في حياتها استناداً الى مجموعات القيم الحاكمة لآبائها، فاذا كانت القيم مجسدة لروح جماعية نهضت الجماعات واذا كانت عكس ذلك يفقد الأسمنت في المجتمع.

وقال: أسمنت المجتمع... هو هذه القيم الجامعة ، وقدرة أي نظام حاكم على الاستمرار هي قدرة اقناع الآخرين به، ولذلك في كثير من الأحيان يصبح العمل الدرامي أهم بكثير من الدراسات لأنه في «ناصر 56» على سبيل المثال ظهر عبد الناصر محاطاً بكثير من الناس الذين يعارضونه ومع ذلك لم يتخذ معهم أي اجراء.

وظهر كثير من الناس يحبون عبد الناصر ويطالبوه بأمانيهم الكثيرة، وبدا كما لو كان مستجيباً لأماني جموع المواطنين، بدا كما لو كانت الفكرة التي جسدها حسن حسني وهي فكرة «متى تكون مصر مصرية أو مصر للمصريين؟» هذه الفكرة جسدها جمال عبد الناصر أعظم تجسيد، ولهذا من الممكن أن يختلف المؤرخون.

وأوضح... حدث أن اختلفنا في مؤتمر عبد الناصر في 15 يناير في المجلس الأعلى للثقافة اختلافاً كبيراً، اختلف من؟

اختلف المؤرخون، ما الذي جعلهم يختلفون وهم يرجعون للمادة ذاتها هي المراجع والوثائق؟ انهم في البداية يبحثون عن أشياء مختلفة، ولولا هذا الاختلاف ما تكررت الدراسات والا كنا نلجأ الى كتاب واحد ونقول هذا هو التاريخ المقرر، لا يوجد في دراسة التاريخ تاريخ مقرر، ولذلك أعتقد أن ما استمعنا اليه الليلة يؤكد أن كاتب الدراما لابد أن تكون لديه مرجعية علمية منضبطة لكي يصبح الابداع في اطاره الحقيقي والواقعي، والا أصبح أشبه بالخيال العلمي وفي هذه الحالة بالخيال الماضي الذي لا أساس له.

ولفت الى أن محفوظ عبد الرحمن في فيلم «ناصر 56» لم يقدم للناس ما يصدمهم انما قدم لهم رسالة خرجت في وقت كانت الأمة فيه مفككة في مضاعفات موقف عربي ضعيف، هناك صلة تكاد أن تكون شبه منعدمة بين الحكام العرب وبين قادتهم، وهناك حالة من حالات الأزمة لا نزال نعيش توابعها الى الآن فخرج هذا الفيلم لكي يؤكد هذه القيم جميعاً.

وكان من المفاجآت السارة أنني علمت أنه عمل بدار الكتب والوثائق لفترة، فلا شك أن هناك عجينة معينة شكلت على مدار عمره تتعلق بدراسة التاريخ والتعامل مع الوثائق وادراك قيمة العمل التاريخي ووظيفة التاريخ الاجتماعية والسياسية.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا