بلغ نصف القرن من التمثيل والمسرح ووضع بصمة عميقة في التلفزيون

انطوان كرباج: في يوليو المقبل أسلّم نقابة الممثلين الى زميل آخر وجيد أن القانون المهني أنجز في عهدي

1 يناير 1970 06:42 م
| بيروت - من محمد حسن حجازي |
تحوّل الفنان الكبير انطوان كرباج الى ملمح من تاريخ الفن في لبنان بدءاً من منتصف القرن الماضي الى يومنا هذا، وأظهر وفاء للخشبة واستمرارية لنهج حضوره مع المسرح الجاد الذي كان اطلقه ودعمه منير ابو دبس عندما عرّف اللبنانيين على كتاب كبار من العالم عبر الترجمات المكثفة لـشكسبير وغيره من الخالدين، حتى طلبه الفنان الكبير عاصي الرحباني لكي ينضم الى مسرح الاخوين رحباني عام 1968 واستطاع في الاربعين سنة الماضية ان يشكل الصوت المسرحي الثالث في اعمال الرحابنة بعد السيدة الكبيرة فيروز والراحل الكبير نصري شمس الدين. وهو ما اعاد تذكيرنا به في مسرحية «صح النوم» العام المنصرم التي اعاد تقديمها مع قرنفل (فيروز) ما بين بيروت ودمشق، فاذا صوته الوحيد الخالد بين بقية الاصوات في العمل الضخم.
«الراي» التقت الفنان انطوان كرباج وكان معه هذا اللقاء:
• لم نكن نريد ان نبدأ من الابناء والخاص عندك الا ان فوز ابنك مازن وزوجتك الفنانة والناقدة التشكيلية لور غريب هو الذي جعلنا نبارك لك اولاً؟
- في الواقع لقد رسما لوحة «انا وانت» وفازا عنها بجائزة لجنة التحكيم في الصالون 29 الذي يقيمه متحف سرسق سنوياً، وقياسها متر × متر و44 سنتمتراً، عملا على انجازها شهرين ولم يعرف كم كل واحد رسم من اللوحة اطلاقاً، لقد رسمها وهي رسمته والنتيجة لوحة لها قيمة.
• ليس غريباً ان يكون في بيتك فن؟
- طبعاً، انا ولور امضينا حياتنا في مناخ فني متفاهم عميق وله ألق خاص جداً.
• هل حفزتما احداً في المنزل على العمل في الفن؟
- ولا مرة، لقد اختاروا ما يريدونه.
• لكننا واكبنا ابنك موسيقياً مع فريق عبثي من العازفين الشباب؟
- وهو في حال ترحال دائماً، يكون يوماً في السويد وآخر في سويسرا ثم في باريس. تقريباً هو مسافر دائماً، وانا دائما ما تدخلت سابقاً ولن افعل اليوم.
• عندك اربعة ابناء؟
- نعم 3 شبان وصبية.
• والأحفاد؟
- خمسة. (ضاحكاً) وعندي شابان متزوجان من شابتين مسلمتين من الطائفة الشيعية، مازن ووليد.
• حتى اسماء اولادك لا تدل على طائفتهم؟
- هل تعرف انني الوحيد في عائلتي الذي يدل اسمه على طائفته. لذلك عندما تزوجت سميت الاولاد اسماء لا تدل على طائفتهم. اذا كنت تتحدث هكذا، فما بالك بوجود مطاعم ومرابع يذهب اليها جماعة 14 مارس ولا يزورها جماعة 8 مارس. لا هذا ليس لبنان الذي يكره الآخر، او يقاطع الآخر ان عندنا اهم ميزة في العالم، هي التعددية والحرية في بلد لم يستطع احد الى الآن ان يهزمه ابداً.
• معروف استاذ انطوان انك امضيت طفولة صعبة جداً كم اثرت في رجولتك؟
- نعم، حتى سن الـ 12 عاماً كنت مريضاً على الدوام، والى الحد الذي تصور معه كثيرون انني لن انجو ولن اعود الى الحياة. اما التأثير فطبعاً موجود، علاقتي الانسانية مع الناس دائماً لها مستوى راقٍ ونموذجي ومتعاطف.
• وماذا أسّست؟
- لقد جعلتني أرى فعل الخير والمساعدة والتواصل مع الآخرين نوعاً من السعادة الغامرة التي تعطي الحياة معنى اجمل.
• وماذا تذكر منها؟
- المرض الدائم. وضياع سنوات طويلة من حياتي طفلاً كان يمكن استغلالها وتوظيفها افضل بكثير مما كانت عليه.
• وهل عرفت في هذه السن انك ستكون فناناً في المستقبل؟
- لا، لكنني كنت اشعر بوجود طاقة عارمة في داخلي من دون تبين كيف سأعبّر عنها.
• ومتى تفتحت عيناك على الفن؟
- حين لاحظت جمال التمثيل وراقبت الممثلين وهم يجسدون ادوارهم على الخشبة.
• وكيف تابعت؟
- لم اترك وسيلة تخدمني في هذا السياق الا واعتمدتها. قرأت، سمعت في الاذاعات، اي مادة تقدم لي الفائدة لكي امرر الى ذاكرتي ما يثريها من الصور.
• قدمت مسرحية سياسية، كيف عبرت؟
- نحن في لبنان. لم تجد مشكلة مع الرقابة، ومع الافساح في المجال امام الحريات على اختلافها، وانا بصراحة ارى مشكلتنا في العالم العربي ليست مشكلة الانظمة، بل في الانسان الذي عليه ان يغيّر نفسه، وانا اعتبر الانسان هنا اكبر وحش في الدنيا، لانه يعمل دائماً ضد مصلحته ونفسه.
• الخبطة الثانية مع نص الماغوط؟
- المرحوم محمد الماغوط قدم لنا «المرسيلياز العربي»، وأخرجها يومها يعقوب الشدراوي، وانا ارى انها لو عرضت الآن فستجد نجاحاً رائعاً وحتى اكثر من ايام عرضها سابقاً.
• ثم كتب «المهرّج»؟
- هذه كانت ايضاً محطة راقية لنا. كان الماغوط رائعاً في كل ما قدمه.
• احببناك كثيراً في «ابو علي الأسمراني» مع نضال الأشقر؟
- أخذنا العمل عن نص تركي، وعرف نجاحاً كبيراً هو الآخر.
• لكنك اخرجت عملاً أخيراً ومثلته مناصفة مع جهاد الاندري؟
- انا ممثل، لكنني احياناً تعديت على الاخراج كما مع جهاد، وقبلاً قدمت «بربر آغا»، مسرحياً، ثم «القبقاب»، عن نص لـ انطوان غندور.
• متى كان التعارف مع الرحابنة مع الاخوين عاصي ومنصور رحمهما الله؟
- لقد حضرا مسرحية «الملك يموت»، وأحبا العمل كثيراً. وكان يومها يعملان على مسرحية «الشخص»، فتم ابلاغي ان الاستاذ عاصي دعا الى عشاء في دارته بأنطلياس، في بيته القديم، وانني مدعو، فذهبت بعدما علمت انه اعتقد عند سماع اسمي اول مرة انني فرنسي ولست لبنانياً، المهم ذهبت وحين دخولي الى بيته اتجه نحوي وبادرني بأبيات شعرية ممازحاً، فرددت بمثلها، وهكذا نشأت علاقة وثيقة بيننا.
• وانت مستمر معهم، حتى «عودة الفينيق»؟
- هذه مدرسة قدمت للبنان الكثير، وخدمت المسرح كثيراً جداً ومن حقها علينا ان نساهم فيها كلما حانت الفرصة لذلك.
• كم كانت لك حرية في قول ما عندك والتجويد بالطريقة التي تجدها مناسبة؟
- العالم الرحباني يضعك في مناخه، ويعطيك المجال لكي تحلق ضمن اجوائه.
• كان يكتب لك بشكل خاص؟
- طبعاً. كل مشارك في اعمالهما كانت له مساحة دور وتفاصيل شخصية. حجم الدور ليس مهماً، بل المهم ان يكون هناك دور اصلاً. وبالمقابل هناك ممثلون كبار وممثلون صغار، وهناك من يبقون ساعتين على الخشبة وعندما يغادرونها ينساهم الجمهور، وآخرون تكفي اطلالتهم للحظات حتى يعلقوا في الذهن.
• متى يهزك الدور؟
- عندما يقلقني بقوة.
• كانت لك شخصيات لها صفات سلبية. هل حصلت معك اشكالات في حياتك اليومية من جراء احد الأدوار؟
- أتذكر اننا كنا نقدم مسرحية «جبال الصوان»، في معرض دمشق الدولي، واذ بأحد الحاضرين يشتمني شتيمة قوية ويشبهني بموشي دايان لشدة ما كرهني في الدور.
• هل حدث واعتذرت عن دور عرضه عليك الرحابنة؟
- اطلاقاً. والسبب انهم يعرفون قدراتي وماذا استطيع ان انجز على الخشبة.
• ماذا عن الصوت. لقد بات معلماً رحبانياً. ولا نغالي اذا قلنا انك ثالث صوت مميز في المسرح بعد فيروز ونصري؟
- هذا كلام كبير. لكنني اشكر الرأي والثقة.
• على ماذا تعتمد في تجسيدك للأدوار عادة؟
- ان اعبر بسلام من الشخص الى الشخصية. عليّ ترك كل ما يتعلق بي في الكواليس، وبالتالي حمل الشخصية الى الناس.
• كيف شعرت وأنت تعود لتقديم شخصية الوالي في «صح النوم» أخيراً؟
- بين السبعينات والعام 2009 نحو اربعين عاماً انا اعتقد انني قادر اليوم على تجسيد دور الوالي بشكل افضل، وأكثر اقناعاً.
• هل يعني هذا انك تريد اعادة كل الأدوار التي سبق وجسدتها؟
- لا ليس الى هذه الدرجة، لكن الكثير من الأدوار عند الممثل يفضل اعادتها عموماً، بعدما تصبح خبرته افضل وهو اقدر على فهم كل ما يدور حوله.
• وكيف تصف دورك في «عودة الفينيق». خصوصاً بعد رحيل الفنان الكبير منصور الرحباني؟
- انا احب دوري في المسرحية، وخسارتي للأستاذ منصور سرعان ما ذكرتني برحيل الاستاذ عاصي. الآن نحن خسرنا الأخوين رحباني وباتت السيدة الكبيرة فيروز وحيدة. لكن النتاج الذي قدموه معاً لا ولن ينتهي ابداً بدليل كل هذا الحب الذي يلفهم ويدفع بهم لأن يشعروا بمسؤولية مضاعفة.
• وماذا عن الاجيال الرحبانية التالية؟
- من الرائع ان هناك الكثيرين من ابناء الاخوين وأحفادهما من طينة جيدة وانا مع هؤلاء لا اخاف على ارث الأخوين، خصوصاً وان الكل يعملون، الكل يريدون الحضور، لإثبات ان الدنيا اهتزت ولم ولن تقع. نعم، هناك رهان على الجميع.
• الا تميز احداً؟
- زياد مميز، ويا ليت موسيقاه تعيدنا مرة اخرى الى اصالتنا، اعطى وأبدع زياد والناس تحبه جداً. والحال اياها مع مروان وغدي وأسامة ويكفي انهم لم يتوقفوا عن العطاء والتواصل، وكذلك هي الحال مع غسان، وهناك الجيل الثالث وعرفت ان بينهم مواهب جدا واعدة وبكل بساطة اجد كل هذا عادياً جداً، فالغريب الا تجد جيلاً راقياً مثل الآباء او الاجداد طالما ان العبقرية موجودة ومعاشة.
• كم احببت فكرة عودة الفينيق؟
- جداً، لأنني واثق من الفينيق يخرج من بين الرماد، يخرج ليعود من جديد قادراً على الحياة والحضور. مثل عموم اللبنانيين الحقيقيين.
• يعني؟
- الذين ينتمون الى لبنان فقط وليس الى محاور وأحلاف، هؤلاء نريدهم ان يكونوا معنا، خير نصير لبلدنا.
• وماذا عن دور الفنان؟
- دائماً له دور، وعليه الا يدع فرصة الا ويستغلها من اجل التقدم وتوعية الناس. وعليه ان يكون كريماً، فالكرم صفة انسانية لها وزنها ونموذجها وقيمتها في الحياة الشخصية، ومن دون كرم لا مجال للفوز بفنان حقيقي.
• هل تعتبر استاذ انطوان انك قمت بواجب في شخصية بربر آغا؟
- طبعاً، وهي جاءت في وقتها تماماً ولو اطلقناها اليوم لكان لها فعلها الخاص.
• كيف أديتها؟
- انا لا اهتم سوى باعطاء كامل جهدي للعمل الذي انفذه بغية الفوز بنتيجة ايجابية جداً والا فانني لن اهتم بكل ذلك، حتى بالمهنة، يعني إما غوص فيها الى حد الذهول او تركها لحالها.
أجواء
• هل اجبرتك الحاجة المادية يوماً على قبول دور ليس مناسباً لك؟
- لا اعتقد. غالباًعندي متانة في مبادئي، لا اخضع ابداً لأي ظرف.