احمد قعبور اسم لمع نجمه مطلع الحرب اللبنانية في العام 1975 مع اغنـــيته الشــــهيرة الخالدة لقصيدة الشاعر الفلسطيني توفيـــق زياد «اناديكم، اشد على اياديكم وابوس الارض تحت نعالكم واقول افـــديكم. ارتبط اسمه بالنضال والثورة حيث دخل المخيمات الفلسطينية، وغنى فيها مع فرقته للناس الذين وقعوا تحت الظلم والاستبداد في العام 1982? واثر الاجتياح الاسرائيلي لبيروت وقفـــت الدبابات الاســـرائيـــلية تحت شـــرفة مــــنزل قعـــبور ليصرخ والده امين محمود الرشيـــدي بوجهه قائلاً بلهجته البيروتية «يا ابني ضلـــيت تنـــاديــــلون لاجو...». من هو هذا الفنان الذي اسس القســـم الثقـــافي في تلفـــزيون «المستقبل»، واطلق «لعيونك»، وبعد استشـــهاد الرئيس رفيق الحريري قال له «اشتقنالك»؟
عايش هذا الفنان اللبناني اغتيال الحريري، واعطى تلفزيون «المستقبل» شعار «معك»، وبعدها غنى لصديقه الصحافي سمير قصير «بدي غني للناس اللي ما عندن ناس».
«الراي» التقت الفنان احمد قعبور في مكاتب تلفزيون «المستقبل» في بيروت، وكان معه هذا الحوار:
• ما هو دور والدك في اثراء حبك للفن وتوجهك اليه؟
- والدي امين محمود الرشيدي، اول عازف كمان في بيروت. وقد اعتدت على صوت الكمان الذي علقني بعالم سحرني وقادني اليه بعالم الفنا. وكان عمي رجلاً ضرير يعلم العود لنساء بيروت، وكان والدي مساعده في التعليم. وعندما قرر ان يتعلم العود انزلق من يديه لضآلة حجم جسده فتعلم العزف على الكمان واوصاني ابي ان لا ادخل معترك الفن، ولكنني لم استطع وخنت ارادة والدي ودخلت عالم الفن، درست الموسيقى مع الاستاذ سليم فليفل واناشيده الوطنية. وكنت اشعر بلحظة العز اثناء وقوفي في قاعة المسرح لانشــــد»نحن الشباب لنا الغد». فرحـــتي الكبرى كانت عندما تم اختياري لتسجيل الاناشيد في الاذاعة اللبنانية.
• كيف بدأت مسيرتك الفنية والنضال؟
- في احدى ليالي الحرب عام 1975 وبفعل انقطاع التيار الكهربائي وعلى ضوء الشموع وقع نظري على قصيدة «اشد على اياديكم» ولم يكن لدي خبرة سابقة في التلحين. فوجدت نفسي الحن اللازمة حملتها وذهبت الى والدي وعرضتها عليه. وقال لي بعد سماعها «هذه الاغنية سيرددها الملايين». انجزت اللحن واديته في مستشفى ميداني لجرحى الحرب في جامعة بيروت العربية. في البدء لم يرحب الطاقم الطبي بالفكرة الا ان الاغنية شهدت نجاحاً بلسم جراح المرضى في تلك الفترة لتصبح اغنية تدعو للمقاومة والنضال. وانطلق الوعي القومي لدي من خلال علاقتي بشقيقي الاكبر محمد الذي كان يشارك في الاعتصامات والحركات الثقافية.
وكان بيتنا في تلك الفترة «خلية نحل» للنقاشات الثقافية والجلسات الحوارية ونظراً لقرب منزلي من المخيمات الفلسطينية، تعايشت مع القضية وهموم الناس ومأساة شعب خسر ارضه، ما اثر في وحثني على الاهتمام بقضايا المقاومة. وبعد صعوبة كبيرة، استمرت مسيرتي الفنية وشاركت في احتفالات تنظم بعيداً عن الاعتبار التجاري، وتقام في المدارس والجامعات والقرى، والاغاني الوطنية لا تعني الشركات التجارية، لكنها تعني الناس ولا يمكن توخي الربح منها.
بعد العام 1982 اخذت اعمالي طابع التفاصيل الحياتية في قالب سياسي، ولم تعد عمومية تعبوية، لم تعد تنطق بصوت كتلة بشرية صارت لسان حال كل لسان بذاته، وواجهت الدمار واهوال الحرب باكبر سنية من الفرح عبر فرقة «السنابل» للاطفال التي اسستها باشراف غازي مكداشي. وكانت هذه الفرقة انعكاسا لهذه المرحلة وفرصة للهروب من الاحزان والانكسارات.
واعترف بفشلي في العلاقات العامة التي تؤسس لغزارة انتاج فني وتعاون مع شركات الانتاج. وهذه المشكلة ما زالت تلازمني حتى اليوم. وترافق عملي الفني مع عملي الاذاعي في» صوت لبنان العربي»، واذاعة «صوت الشعب»، من خلال برامج فنية وتمثيلية وللاطفال. وبعدها انتقلت للعمل في محطة NEW TV لمدة ثلاث سنوات، ولكنها للاسف لم تكن المحطة التي توقعتها فهي تبحث كباقي المحطات عن الربح المادي. وقررت ان اقبع في البيت متفرغاً للموسيقى، وسرعان ما اكتشفت ان الامر مستحيل.
• وماذا عن انتقالك إلى تلفزيون بالمستقبل؟
- تعاونت مع تلفزيون «المستقبل» واحببت كلمة «المستقبل» لا سيما بعد تعبي من الماضي والذكريات واعطيت «المستقبل» اغنيات تدعو الى الاقدام باتجاه المستقبل منها «يا حبيب الروح روح شوف مستقبلك، الماضي لا تنوح مستقبل لـ الك»، وهي دعوة للخروج من الماضي والذاكرة المليئة بالاحباط واليأس لاجل بناء وطن لجميع اللبنانيين دون تفرقة عنصرية او طائفية. واستطعت ان احدد هوية تلفـــزيون «المستقبل»، وســـاهمت في اعطائه الطابع الشعبي، واستوحيت من صورة والدي في المنزل وهو يضع الطربوش على رأس سامي حمدان، بطل الاغنية. واتذكر يوم كنت ابحث عن شعار يحمل المحبة للاخر بعيداً عن الاحتكار ونزعة الانا، وتوجهت الى التلفزيون بسيارة الاجرة، ودفعت للسائق الاجرة فقال لي بممنونك واجبته «لعيونك»، وهنا ولدت فكرة شعار «لعيونك».
• البعض من أحـــبائك يلومـــك على خــــروجـــك عن الخــــط النضـــالي، والتوجه الى خط آخر في تلفزيون «المستقبل»، ما هو تعليقك؟
- لا توجد اي مؤسسة رأسمالية، فالمشكلة اننا نعيش في ظل ابواق تصنف الناس، الرجعي والتقدمي... واعتقد ان نتاجي الفني يؤكد انني البيروتي الذي غنى للجنوب قبل ان يتحول الجنوب الى اغنية، واللبناني الذي غنى لفلسطين واصبحت الاغاني كالنشيد الوطني في فلسطين، واستشرفت الانتصار على العدو وغنيت «والله وطلعناهن برا». واطلقت صرختي عند استشهاد صديقي الصحافي سمير قصير وقلت «بدي غني للناس اللي ما عندن ناس». وعندما قتل الرئيس الحريري بطريقة بشعة جداً قلت «قولوا الله»، وكلها شعارات لا تسمح لاحد بتصنيفي، ومن يتهمني بتغيير البندقية، اسأله ماذا فعل ببندقيته، ومن سرقها منه؟ ولماذا غاب عن ساحة النضال؟
واعتقد ان مواجهة الاستعمار والاحتلال تحتاج الى بندقية ولكنها تحتاج اكثر الى وعد ومعرفة وبقدر ما نحارب الاحتلال والوصاية والاستبداد، علينا محاربة الجهل والتخلف والتشـــكيك والتخوين. ولا يمكننا صنع الاوطان عـــندما يـــتوجه احد الزعماء الى الشعب بـــسبابته، واذا كانت تهمتي هي العمل في تلفزيون يحمل رؤية رفيق الحريري فهي تهمة اعتز بها.
• ما الفرق بين الاغنية الوطنية والاغنية الملتزمة؟
- الاغنية الملتزمة هي التي تلتزم بقضية، ولكن ذلك لا يكفي فعليها ان تلتزم موسيقياً وشعرياً، وافصّل الاغنية الوطنية فالوطن حبيب، وعلى الاغنية الملتزمة ان تكون امينة للقضية والموسيقى، والشعر يرتقي بمستوى القضية، لان المناسبة تذهب والاغنية تبقى.
• هل الاغنية تخدم القضية، ام العكس صحيح القضية تخدم الاغنية؟
- ثمة علاقة متلازمة بين الاثنين معاً، لان كل ما يعني الفنان هو مشروع اغنـــية، وثمة عـــلاقة وثـــيقة بين السبب والمسبب، والاثنان يخدمان بعضهما. ومثال ذلك السيدة فيروز او الفنانة ماجدة الرومي وجوليا بطرس.
• كيف تقيم واقع الاغنية الوطنية؟
- تشهد الاغنية الوطنية اصدارات عدة ومختلفة، منها ما يستحق التقدير، ومنها ما يبدو انه جاهزا بانتظار المناسبة او حدث معين، وهي تكون بذلك اغان ترويجية تراعي العرض والطلب في السوق الفنية.
• ماذا في جعبة احمد قعبور حاليا؟
- حضـــرت البـــوما جـــديدا يضمن 7 اغنيات و3 معـــزوفات موسيقية، ولم اجد شركة انتـــاج حتى الان، واغنـــيتان تحـــية لشـــهداء الجيش اللبناني في مـــعركة «نهـــر البـــارد» للفنان ايوان والفنان اللبناني نجم سوبر ستار احمد حسين. واعد ثلاثة اعلانات لتلفزيون «المســـتقـــبل» تحـــمل دعـــوة للـــتأمل، ومسرحية للاطـــفال مع المسرحي كريم دكروب بعـــنوان «يللا ينام مـــرجـــان». وقــــــدمت كتـــابا يحـــتوي 14 قصـــيدة للشـــاعر حسن عبد الله، ومن الحاني مع اســـطوانة مدمجة «ءسي دي» موزعة في الاسواق والمكتبات الموسيقية. وثمة نتاج دائم ومستمر.