علي غلوم محمد / السياسة والنهضة العربية ... أولاً

1 يناير 1970 06:45 ص
إن الذي يجعلنا اليوم في ذيل الحضارة المعاصرة هو طبيعة المفاهيم والأصول التي تحكم تفكيرنا، وتهيمن على مجمل سلوكنا، فالماضي هو الذي يتحكم في المستقبل، والظن هو الذي يتحكم في اليقين، والأموات هم الذين يتحكمون في الأحياء، وهذه وللحق من آفاتنا الكبرى، إننا اليوم بمسيس الحاجة الى فهم روح العصر، وحقائقه، والإفادة من تجارب التاريخ ليتهيأ لنا النهوض من كبوتنا، ولا نريد مما تقدم التنكر لتاريخنا، وحضارتنا بما تشتمل عليه من أمجاد، وفتوحات علمية، وفكرية، وما أرساه السلف من عطاء حضاري وعلمي ضخم، غير أن البداهة تقتضي أن اليوم غير الأمس، وأن إنسان اليوم غير إنسان الأمس، وأن كل ما يحيط الإنسان من أمور مادية، ومعنوية هو دوماً في أطوار التغير، والتطور، فكل المفاهيم أيا كانت هذه المفاهيم هي في تطور مطرد. خذ مثلاً مفهوم الحرية، ومفهوم الإنسان، ومفهوم الديموقراطية، فلو رجعنا بادئ ذي بدء الى الحرية في العصور الغابرة لوجدنا انها كانت بإزاء الرق، أما اليوم فقد تشبعت الحرية، وتطورت بتطور الإنسان نفسه، فغدت الحرية ذات ألوان ووجوه، فهناك الحرية الفردية، والحرية الاقتصادية، والحرية السياسية، فأين هذه الحرية من تلك، وكذلك الأمر بالديموقراطية، فلو استعرضنا نمط الديموقراطية السائدة عند مخترعيها، وهم الاغريق قبل نحو عشرين قرناً لوجدناه ديموقراطية ناقصة، وشائبة، ذلك أنها كانت حكراً على بعض الفئات، والطبقات قد حرمت منها فئات أخرى، كالعبيد، وأصحاب الحرف اليدوية والنساء، فضلاً على انها كانت ديموقراطية مباشرة وذلك لأنها كانت تمارس في اطار الدولة المدنية.
أما اليوم فأصبحت للديموقراطية قيم، ومؤسسات، وأعراف، وممارسات، وفلسفات، تحكمها، فليس اليوم هنالك ديموقراطية تقرب فئة، وتعزل فئة أخرى، وليس هنالك ديموقراطية لا تعترف بالمرأة وحقوقها، وهكذا...
وأياً كان الأمر فإن المفاهيم وسائر الأشياء في تطور دائم، وتغيير مستمر فلا يصح والحالة هذه ان تحكمنا مفاهيم ثابتة قديمة لمجتمعات قديمة، ذلك أن الاقدمين قد استنبطوا قواعدهم ومبادئهم من مجتمعاتهم، ولما كانت المجتمعات متغيرة يلزم من ذلك تغيير المبادئ والقواعد.


علي غلوم محمد
كاتب كويتي
[email protected]