خيرالله خيرالله / جورج ميتشيل... أو غونار يارينغ؟

1 يناير 1970 03:52 م
هناك فائدتان جنتهما إسرائيل من الوضع القائم حالياً في قطاع غزة. تتمثل الأولى، وهي عسكرية، في نجاحها في إظهار امتلاكها لقوة ردع ساحقة تمكنها من ارتكاب أبشع أنواع الجرائم فيما العالم يتفرج. أما الفائدة الأخرى، فإنها سياسية وتتمثل في تكبيل الجانب الفلسطيني وجعله غير قادر على الإقدام على أي خطوة ذات طابع عملي في أي اتجاه كان، بما في ذلك مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. كيف يستطيع الفلسطينيون استعادة المبادرة فيما يتكرس يومياً وجود كيانين فلسطينيين منفصل كل منهما عن الآخر؟ ذلك هو السؤال المطروح حالياً، وهو مرتبط بكسر الحلقة المقفلة التي بات الفلسطينيون في أسرها.
تسيطر «حماس»، التي لا تتوقف عن إطلاق الشعارات من نوع تحرير فلسطين من النهر إلى البحر أو من البحر إلى النهر، لا فارق، على غزة. وتعتبر الحركة، التي تشكل امتداداً فلسطينياً لـ«الإخوان المسلمين» وللنظام الإيراني في فلسطين، الانتصار الذي تحقق على أهل القطاع انتصاراً لها. ليس معروفاً بعد كيف يمكن لحركة أن تعتبر الموت والدمار اللذين لحقا بشعبها انتصاراً يمكن أن تبني عليه مستقبلاً مشرقاً، اللهم إلا إذا كانت الحركة تؤمن إيماناً مطلقاً بثقافة الموت التي ينشرها «حزب الله» الإيراني في أي مكان تمتد إليه يده. أما السلطة الوطنية التي تسيطر على الضفة الغربية فبدت عاجزة أكثر من أي وقت عن عمل شيء من أجل وقف العدوان على غزة وفك الحصار عنها. بدا واضحاً بعد أحداث غزة مدى الحاجة إلى تغيير فلسطيني في العمق يؤدي إلى نقلة نوعية على الصعد كلها، بدءاً بتوحيد المواقف المتباعدة بين السلطة الوطنية و«حماس»، وصولاً إلى امتلاك ما يكفي من الشجاعة لتحديد ما الذي يمكن عمله وما الذي لا يمكن عمله في ظل المعطيات الاقليمية والدولية السائدة.
لا مفر من البحث أولاً في توحيد المواقف الفلسطينية. وكي تكون لهذا التوحيد فائدة ما، لا بدّ من الإجابة عن مجموعة من الأسئلة. أول الأسئلة ماذا يريد الفلسطينيون؟، آخر الأسئلة ما الوسائل التي يمكن استخدامها لتحقيق الهدف؟ المؤسف أن الظروف الراهنة لا تسمح بأي اتفاق مهما كان بسيطاً بين السلطة الوطنية و«حماس». والكلام عن السلطة الوطنية وتسميتها مقصود، نظراً إلى أن «فتح» تمر في حال من الترهل تجعلها غائبة عملياً عن «الساحة» الفلسطينية. وحدها السلطة الوطنية موجودة في الضفة حالياً، في حين ثمة حاجة إلى قيادة جديدة لـ «فتح» بعيداً عن الديناصورات التي تشغل حالياً مقاعد اللجنة المركزية للحركة. في غياب قيادة جديدة لـ «فتح»، لا مجال سوى للحديث عن السلطة الوطنية بحكومتها وأجهزتها التي عرفت كيف تحافظ على السلم الأهلي في الضفة بدلاً من السقوط في الفخ الإسرائيلي الذي سقطت فيه «حماس» في غزة.
تمثل المحافظة على الهدوء في الضفة الغربية والامتناع عن الانجراف خلف دعوات قادة «حماس» إلى القيام بانتفاضة ثالثة، الإنجاز الوحيد للسلطة الوطنية الفلسطينية في المرحلة الراهنة. لكن هذا الإنجاز لا يعني في أي شكل أن السلطة عرفت التعاطي مع أحداث غزة أو كانت في مستواها. هناك شخصان أو ثلاثة ربما، أحدهم ليس من «فتح»، استطاعوا أن يكونوا في مستوى الأحداث وأن يتصدوا عبر الفضائيات العربية والأجنبية للادعاءات الإسرائيلية ولاتهامات «حماس» وبطولاتها الوهمية. كان معظم مستشاري الرئيس الفلسطيني في شبه غيبوبة، وقد افتقدوا روح الجرأة التي كان مفترضاً أن يتحلوا بها في مثل هذه الظروف الصعبة والمعقدة في آن. كان عدد منهم في حال إرباك في غياب التوجه السياسي الواضح للسلطة الوطنية.
في غياب الموقف العربي الذي يسمي الأشياء بـأسمائها بما يعيد «حماس» إلى جادة العقل والمنطق وفي ظل سلطة فلسطينية عاجزة وعدوانية إسرائيلية ترافقها قدرة على ممارسة إرهاب الدولة بأبشع أشكاله، يظهر الموقف الشجاع لإدارة باراك أوباما التي أرسلت على وجه السرعة مبعوثاً إلى المنطقة لمعالجة الوضع المتدهور بين الفلسطينيين والإسرائيليين. من حق المبعوث، وهو السيناتور السابق جورج ميتشيل، أن يبدي تشاؤماً بعد محادثاته في إسرائيل والأراضي الفلسطينية في ضوء حوار الطرشان بين السلطة الوطنية و «حماس» من جهة، والعدوانية الإسرائيلية من جهة أخرى. من حقه حتى أن يعتبر أن الوضع الفلسطيني ميؤوس منه مادامت «حماس» تسمي الصواريخ التي تطلقها من غزة «مقاومة» ومادامت إسرائيل قادرة في أي لحظة على التذرع بالصواريخ وبالأسير الذي تحتفظ به «حماس»، كي تبقي على الحصار وتشن الغارات على أي هدف تختاره.
يبدو تشاؤم السيناتور ميتشيل في محله. ولذلك عليه العمل على كسر الحلقة المقفلة. يفترض في الإدارة الأميركية ألا تنتظر أي مبادرة حسن نية من أي طرف. يفترض بها أن تنتزع المبادرة. تنتزعها من إسرائيل و «حماس» والمحور الإيراني - السوري الذي يستخدم الشعب الفلسطيني في غزة وقوداً في عملية تجميع أوراق تسمح له بعقد صفقة مع الولايات المتحدة من موقع أفضل. سيصطدم ميتشيل برفض «حماس» أي تسوية تقوم على حل الدولتين على أرض فلسطين وبوجود إسرائيليين لا يؤمنون بالسلام، على رأسهم بنيامين نتنياهو المتوقع أن يكون رئيس الوزراء القادم. لكن ذلك يجب ألا يمنعه من القول إن حلقة العنف يجب أن تتوقف، وإن إدارة أوباما ستكسر الحلقة. هل يفعل ذلك أم يتحوّل إلى مجرد مبعوث عادي ضائع في متاهات الشرق الأوسط؟ أسابيع قليلة ويتبين هل ميتشيل سوبر مبعوث... أم مجرد مبعوث آخر من نوع غونار يارينغ أول مبعوث للأمم المتحدة بعد حرب 1967! من يتذكر يارينغ الذي كان يجول بين العامي 1968 و1970 في عواصم المنطقة من دون هدف محدد وكأنه يدري سلفاً أن لا حلول في الشرق الأوسط إلا على نار حامية، أي على وقع حرب جديدة... هل نحن عشية حرب جديدة كانت حرب غزة مجرد تمهيد لها؟ هل يستطيع جورج ميتشيل عمل شيء لتفادي مثل هذه الحرب؟


خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن