هل يوجد من ينكر مرارة تاريخنا المأسوي في المنطقة خلال العقود الأربعة الماضية؟ ليس على من يريد رؤية هذا التاريخ السوداوي سوى مراجعة البيانات الختامية للقمم السابقة لزعماء المنطقة عموماً، ودول مجلس التعاون الخليجي خصوصاً ليقف على هذه الحقيقة المزعجة والمزمنة.
هذه القمة تكاد تكون نسخة مكررة من القمم السابقة لولا بعض السمات التي أنقذتها وجعلتها تختلف بعض الشيء. فالموضوع الأمني أبرز بند عُرف «تقليدياً»، وقد أعيد ذكره مثلما حصل في الماضي باستثناء أمر واحد، وهو الإجابة عن السؤال: حيال ماذا؟ فالمميز في القمة الحالية أن الموضوع الأمني موجود، ولكن هذه المرة للتصدي للمد التكفيري. فهل سيكون للأمني وجود في القمة المقبلة؟
الاستثناءات في قمة قطر متعددة، أولها حضور الوفد السعودي برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله. زيارة العاهل السعودي تحمل إشارة إيجابية كبيرة، نظراً إلى ما فعله الحدّاد (قناة الجزيرة) بين الدولتين المضيفة والمملكة، وهو ما اعتبرته دائماً الإدارة السعودية خروجاً عن اللياقة الديبلوماسية.
الاستثناء الثاني رمزية حضور الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بصفة مراقب، وهي سابقة لم تشهدها أي من القمم الماضية. فحضور الرئيس نجاد بحد ذاته وفي هذا الوقت تحديداً ذو مغزىً ورسالة لا يمكن الاستهانة بها. ملخص الرسالة أن من يعيشون على ضفتي الخليج لا قدر لهم سوى التصادق والتقارب، وهو تصادق لم يكن ليكتب له النجاح لولا حكمة الرئيس نجاد والملك عبدالله.
ما نستنكره تصوير البعض لهذا الحضور، وكأنه حالة مستهجنة وغير صحية. فما ذكره أحمد الجارالله، رئيس تحرير «السياسة» في مقابلته مع «BBC» قبل أيام غريب في بابه لأنه «يعتقد»، كما يقول، بأن الخليجيين «تبرّموا» من دعوة قطر للرئيس الإيراني! ولأنه لم يبين سبب التبرم، سأله المقدم كيف ذلك والحكومات قد حضرت القمة، كان جواب «الصحافي السياسي المخضرم» أن الرؤساء حضروا «مجاملة»! (كأن القوم في دعوة عشاء لا قمة).
الاستثناء الثالث هو ما طرحه الرئيس الإيراني من مقترحات في كلمته الافتتاحية، والتي تعني الشيء الكثير بالنسبة إلينا نحن أهل المنطقة جميعاً. فالرئيس نجاد خصص ما يقارب من ثمانين في المئة من كلمته لتناول المشاريع الاقتصادية والتجارية والتنمية لأهل المنطقة كإلغاء تأشيرات الدخول ونقل الغاز وحماية البيئة وربط شمال الخليج بجنوبه... في حين اكتفي بالنزر اليسير للأمني. إنها بالتأكيد خطوة كبيرة باتجاه التعايش السلمي ورفع الحواجز النفسية بين الشعوب.
ولكن يظل سؤال مهم حري بالمرء التوقف عنده: هل من ربط بين دعوة قطر (الدولة الخليجية التي لها علاقات مع إسرائيل) للإيرانيين، مع توصل اللبنانيين إلى حل تعديل الدستور «أخيراً»، وقدرة السوريين على إدراج مرتفعات الجولان كشرط المشاركة في مفاوضات أنابوليس، إلى جانب خبر «CIA» الأخير بأن المشروع الإيراني النووي «سلمي»؟
د. حسن عبدالله عباس
كاتب كويتي
[email protected]