يقول وزير الدفاع الإسرائيلي السابق موشي دايان عن العرب انهم: «أمةٌ لا تقرأ، وإذا قرأت فانها لا تفهم، وإذا فهمت، فانهم لايفعلون شيئاً»، ويبدو أن ما قاله القاضي موسى، كما يترجم اسمه إلى العربية، فيه جزء من الحقيقة، وجزء من الباطل، أما الباطل فهو أننا أمةُ لا تقرأ، والأكيد أننا أكثر أمة تعيد وتجتر وتقرأ في تاريخها، كل شيء في التاريخ حاضر أمامنا، نكتب ونقرأ ونعيد ترديد أحداثه بشكل أقرب للهستيرية والهوس منه إلى السرد العلمي الصحيح، أو النقد البناء الهادف، أما جزء الحقيقة فيه فهو أننا بالفعل أمةٌ لا تفهم ما تقرأ، تمرنا أحداث التاريخ ونتجاوزها ولا نتعلم منها شيئاً، نعيد تكرار أحداث الماضي بحذافيرها، مرتكبين الأخطاء ذاتها خطوة بخطوة وكأننا نقرأ من «كتاب تعليمات» سهل الإرشادات.
اليوم، أعلنت إسرائيل وقفاً لإطلاق النار في قطاع غزة من جانبها، مع احتفاظها بقواتها في المناطق التي أعادت احتلالها في القطاع، الأمر الذي اعتبره البعض ممن يقتاتون على أوهام الحلم العربي الجميل بأنه انتصار لمليشيات «حماس» في القطاع، فإسرائيل التي قتلت المئات من الأبرياء الفلسطينيين، وجرحت الآلاف غيرهم، وروعت الملايين، ودمرت ما يمكن تسميته «مجازاً» بأنه بنية تحتية في القطاع، لم تستطع أن توقف صواريخ «حماس» التي لا تزال تنطلق من القطاع!
بالأمس، هلل هذا البعض وكبّر بالنصر الذي حققه «حزب الله» في لبنان، بعد أن دمرت إسرائيل لبنان أو كادت، ليس المهم كم دمرت، أو ماذا دمرت، أو من دمرت، المهم أن القيادة والحزب في أمان، وهذا ما اعتبره البعض نصراً لـ «حزب الله» على إسرائيل، ويعتبرونه اليوم نصراً لـ «حماس» على إسرائيل.
أحداث غزة الأخيرة، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك، أننا بالفعل أمةٌ لا تفهم إذا قرأت، وأثبتت كذلك أننا إذا فهمنا، كذبنا على أنفسنا، ولا نفعل شيئاً، تعالوا معي نقيم نصر «حزب الله» في حرب 2006، ونقارنه بنصر «حماس» في 2009؟
أبسط أبجديات الحروب العسكرية أن أي تحرك عسكري لا يحقق مكاسب سياسية على أرض الواقع، فهو تحرك عسكري فاشل، سواء قتلت شخصا واحدا، أو دمرت مدنا بأكملها، وهذا الأمر الذي استند إليه من ادعوا بانتصار «حزب الله» في حرب 2006، والذي أتت الحرب على قطاع غزة هذه الأيام لتثبت أن المكاسب السياسية التي حلم البعض بأنه حصل عليها ليست إلا أوهام في أوهام في أوهام، مثلها في ذلك مثل الكثير من أوهامنا العربية الخالدة!
الواقع السياسي الحالي الذي أثبته الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة، أن «حزب الله» الذي كان مستعداً لخطف جنود إسرائيليين لدعم انتفاضة قام بها الشعب الفلسطيني ضد تعدي أريل شارون على حرمة المسجد الأقصى، يقف اليوم عاجزاً عن تقديم أي عون لهذا الشعب وهو يقصف بأبشع أنواع القذائف وأكثرها تدميراً وانتهاكاً لآدمية الإنسان!
«حزب الله» في هذه الحرب اكتفى بخطب زعيمه السيد حسن نصر الله، وخطابات الدعم والتأييد، ومظاهرات الجماهير الغاضبة، ولا شيء أكثر من ذلك، مما يمكن اعتباره من دون شك تغييراً في أسلوب «حزب الله» وطريقة تعامله مع القضية الفلسطينية، وهو بالتأكيد انعكاس لتجربة الحزب والجمهورية اللبنانية في حرب تموز 2006، وعدم رغبة الحزب في تكرار مثل تلك التجربة، من أجل الآخرين، أو بالتحديد من أجل الفلسطينيين!
هذه الرغبة التي تولدت لدى قيادة «حزب الله» في هذه المرحلة هي المكسب السياسي الذي حققته حرب لبنان 2006، وهي المكسب الذي حققته القيادة الإسرائيلية من تلك الحرب، وهي بالتالي الهزيمة السياسية التي مني بها «حزب الله» في تلك الحرب.
اليوم، نعيد تكرار السيناريو سطراً بسطر، ومن دون تغيير، إسرائيل تقصف، والأبرياء يدفعون الثمن، و«حماس» وقادتها يعدون القتلى، وتنتهي الحرب بإعلان نصر «حماس»، على ماذا، وكيف، ولماذا؟ لا أحد يعلم، المهم أنهم انتصروا لأن إسماعيل هنيه حيٌ يرزق، مثلما انتصر «حزب الله» لأن حسن نصر الله حيٌ يرزق!
النتيجة السياسية التي بدأت ملامحها بالظهور الآن، أن كل حلفاء «حماس»، إيران، سورية، «حزب الله»، أبدوا عجزاً واضحاً في دعم «حماس» في هذه الحرب، سواء لعدم وجود الرغبة في تقديم مثل هذه الدعم، أو لعدم القدرة على تقديمه، وهذا يعني أن «حماس» بعد أعوام وأعوام من التنسيق مع هؤلاء الحلفاء، وجدت نفسها وحيدة أمام الجيش الإسرائيلي، والدعم الوحيد الذي وصلها من حلفائها هي الخطب الرنانة، والمظاهرات الملايينية، ولا شيء غير ذلك، فالدم المسكوب دمٌ فلسطيني، ومن يدفع الثمن الحقيقي هو الشعب الفلسطيني وليس أي أحدٍ غيره.
سوف تدخل «حماس» رغماً عنها في دورة الواقع السياسي كما دخله «حزب الله» بعد الحرب، وستفرض التسويات الدولية نفسها على رغبة قادة «حماس» بعد هذه الحرب الإسرائيلية، ومع ذلك، ورغم ذلك، سوف يهلل البعض بأن «حماس» انتصرت، مثلما هلل البعض سابقاً بأن «حزب الله» انتصر!
بالفعل، نحن أمة لا تفهم إذا قرأت تاريخها، وإذا قدر الله لنا أن نفهم، لا نفعل شيئاً.
سعود عبدالعزيز العصفور
كاتب ومهندس كويتي
[email protected]