«تكييش» وغسل وربا ... على عينك يا تاجر!

1 يناير 1970 07:58 م
  • قانون الجزاء جرّم الإقراض بالربا الفاحش وجعله من الجرائم  التي لا تحتاج لشكوى من المجني عليه   
  • عملية «التكييش»  ليست معقدة  وهي واضحة المعالم مكشوفة الأهداف ولها عالمها السفلي

لنوجه هذا السؤال لك عزيزي القارئ: عندما تشاهد إعلاناً في وسائل التواصل الاجتماعي لبيع المخدرات، ماذا ستكون ردة فعلك؟
قد لا يختلف اثنان على وجوب الإبلاغ عن هذه الجريمة، ناهيك أنك سوف تستغرب كيف لهيئة الاتصالات أنها لم تمارس دورها في حجب المواقع التي تعرض تلك الخدمات الإجرامية، في حين أنها سعت لحجب عدد من حسابات المزادات الخاصة بالساعات، للاشتباه باتصالها بعمليات غسل الأموال.
فما هي آلية العمل في جرائم الربا الفاحش أو ما يسمى عرفاً بـ«التكييش»؟
يبدو أن مصطلح «التكييش» ليس غريباً على أحد. فحين يقرر أحد المقترضين اللجوء إلى البنك لطلب تجديد قرضه، أي طلب الاقتراض على قرضه السابق، فإن طلبه هذا يصطدم بعوائق قانونية فرضها البنك المركزي، بنسبة من الراتب، وغالباً ما يلجأ المقترضون المحتاجون للسيولة إلى (عصابات التكييش) التي تعرض خدماتها في وسائل التواصل الاجتماعي - على عينك يا تاجر - نقول «عصابات» لأن التنظيم الذي يخضع له المتعاملون في مجال الربا الفاحش، هو تنظيم عصابي تتعدد فيها الشخوص والمهام، فمنهم من يملك «الكاش»، ومنهم من يتولى زمام السمسرة وجلب المقترضين للتعامل، ومنهم بعض الموظفين في المؤسسات المالية، من الذين يسهّلون هذه العمليات عن علم وسابق معرفة، وانضمام مع تلك الشبكة، فيما يتولى بعضهم الآخر الإعلان عن خدمات «التكييش»، عبر وسائل التواصل الاجتماعي مستخدمين خدمات الترويج مدفوعة الأجر تارة، والنشر عند بعض الحسابات الإخبارية تارة أخرى، واضعين أرقام التواصل بكل ثقة ووضوح، دون خشية من العواقب ودون وجل.
عملية «التكييش» ليست عملية معقدة، وهي واضحة المعالم مكشوفة الأهداف، لكن ماهو عالمها السفلي؟ في الحقيقة إن ما تخفيه تلك العصابات هو مصدر الأموال المتحصلة من جريمة الربا الفاحش، ولعل قانون الجزاء، عندما جرّم إقراض الناس قروضاً مقرونة بالربا الفاحش، إنما جعلها من الجرائم التي لا تحتاج لشكوى من المجني عليه، لتحريك الدعوى الجزائية في مواجهته، وبالتالي فإن تلك القضايا من الممكن أن تُرصد وتتحرك، دون أن يشتكي أحد من المقترضين «المكيشين»، خاصة وأن تلك الفئة تسعى لحلحة أمورها المالية، دون نية بخلق عواقب قانونية قد لا تبقي ولا تذر.
تتكون عمليات غسل الأموال عبر جرائم التكييش، من سلسلة تبدأ من إيداع أو تحويل مبلغ مالي كبير، يعادل قيمة القرض الأول إلى حساب المستفيد، والذي غالباً ما يتحصل هذا المبلغ من عمليات «تكييش» أخرى. ونكون هنا أمام جريمة غسل أموال عن طريق إخفاء المصدر الفعلي للأموال، ويكون المتهم فيها المستفيد صاحب المعاملة، بالإضافة للشركاء من عصابة التكييش.
ثم تنتهي العملية بعد أن يسدد المستفيد مبلغ القرض، ويقدم ما يفيد حصوله على دخل إضافي من عمل آخر، غالباً ما تكون شهادات الراتب هذه مزورة، ولا تعكس حقيقة المركز المالي الحقيقي للمستفيد، ويكون المستفيد في هذه الحالة، قد ارتكب جريمته الثانية، وهي التزوير في أوراق البنوك، لتكون النهاية بأن يقدم صاحب القرض المستفيد لسداد المبلغ، بعد أن يحصل على القرض الجديد، وذلك لمصلحة عصابة «التكييش» والتي تعود لإيداع تلك المبالغ لحسابات أفرادها بصورة عقود وهمية.
إن الخطر الداهم والذي يجب علينا جميعاً أن نحاربه، هو أن تلك العصابات تكوّن ثرواتها الطائلة من الربا، دون أي تعب، مستغلة حاجة الناس بسبب تراكم المسببات والمشاكل، الخاصة بعمليات الإقراض، مما يكوّن للطبقات تلك، قدرات مالية كبيرة تدخل السوق بكل أدواتها غير النظيفة، لتهدد الاستقرار المالي للمؤسسات الشريفة، وتنافسها في نشاطها بالمال السهل، والذي يخلق منافسة غير حقيقية، ناهيك عن تدخل تلك الأموال في المنافسات المجتمعية السياسية منها والمجتمعية.
إن إصلاح هذا الخلل الجسيم يتطلب وعياً تاماً بتلك المخاطر، يبدأ من مؤسسات الدولة المالية الرسمية والخاصة بتعقب الموظفين، والسجل الخاص بعمليات الإقراض، مع تعقب حساباتهم الخاصة، مع الأخذ بعين الاعتبار، أن لدى تلك الفئة من الفنيات الوظيفية، ما يُمكنّها من إخفاء مصدر تلك الأموال والتي في الغالب تكون أموالاً متحصلة من رشوة أو فائدة نظير تسهيل عمليات «التكييش» المشبوهة، ثم متابعة رصد ومتابعة أصحاب إعلانات «التكييش» وتتبع مصادر أموالهم، وتحريك البلاغات الخاصة ضدهم، دون انتظار شكوى من المتضررين، والذين مثلما ذكرنا، قد تطالهم المسؤولية الجنائية بمجموعة من الاتهامات الجسيمة.