سورية من خلال ثلاثة كتب

1 يناير 1970 01:38 ص

كلّ ما يمكن استخلاصه من الصراع ذي الطابع العائلي الذي مسرحه سورية هذه الأيّام، أن النظام لم يعد لديه مكان يصدّر إليه أزماته. بات النظام يعاني من ارتداد أزماته عليه في ضوء بروز الصراع الضيّق، بكلّ المقاييس والأبعاد، القائم حالياً بين بشّار الأسد وزوجته أسماء وشقيقه ماهر من جهة وآل مخلوف ممثلين برامي محمّد مخلوف من جهة أخرى.
ما تعيشه سورية حالياً، هو صراع بين عائلتين في عائلة واحدة لم يعد فيها مكان لآل مخلوف الذين شكّلوا طوال سنوات الذراع المالية للسلطة التي تشكّلت في 16 نوفمبر من العام 1970 عندما احتكر حافظ الأسد الحكم وصار في فبراير 1971 أولّ علوي يتولّى الرئاسة في الجمهورية العربية السورية.
متى عرضنا لتاريخ سورية المستقلّة منذ العام 1946، يظهر علنا كيف ان صراعا على بلد ودوره في المنطقة، تحوّل الى صراع ذي طابع مالي وتجاري ببعد عائلي محوره شركات تجارية.
من خلال الشريطين اللذين ظهر فيهما رامي مخلوف أخيراً وتحدّث فيهما عن دوره في دعم النظام والظلم الذي تتعرّض له شركة «سيريتل»، التي يمتلك أكثرية أسهمها، يرتسم إطار لنهاية مأسوية لبلد كان مرشّحاً لأن يكون أحد أكثر البلدان ازدهاراً في الشرق الأوسط، فإذا به في السنة 2020 تحت خمسة احتلالات (إيران، روسي، تركي، إسرائيلي، أميركي).
هناك الاحتلالان التركي والإسرائيلي المرشحان لان يكونا دائمين، فيما كل الأسئلة مطروحة في شأن مستقبل إيران وحليفها الصيني، الذي ليس لديه وجود بعد في الأرض السورية، ومتى تبدأ مرحلة انتقالية استناداً الى القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن تنفيذا لتفاهم أميركي - روسي بدأت ملامحه تتبلور قبل فترة ليست بالقصيرة.
انتهى تاريخ سورية، المستقلة منذ 74 عاماً، بصراع عائلي ضيّق هدفه تجميع كل السلطات وكل الثروات بيد آل الأسد، خصوصاً ان النجل الأكبر لبشّار الأسد (حافظ) كبر وهو في طريقه الى تولي موقع ما في تركيبة السلطة.
ليست الرغبة في جعل النظام الجمهوري في سورية ملكاً لعائلة جديدة. سبق للعراق أن مرّ في هذه التجربة. فعندما كبر عديّ صدام حسين وشقيقه قصيّ، بدأ التفكير في كيفية تهميش الإخوة غير الأشقاء لصدّام، أي سبعاوي وبرزان ووطبان، عن مواقع في السلطة. حصل ذلك عن طريق إيجاد توازن مختلف في داخل عائلة صدّام حسين المجيد لغير مصلحة إخوته من أمّه.
هذا ما يفسّر الزواج الذي تمّ بين حسين كامل المجيد وشقيقه من بنتي صدّام... وإبعاد برزان عن موقع مدير المخابرات. يعتقد برزان شخصيا أنّ زوجة صدّام ساجدة لعبت دورا أساسيا في الدفع الى زواج البنتين من حسين كامل وشقيقه. معروف تماماً ما حصل بعد ذلك عندما انقلب حسين كامل على صدّام في 1995 وصولا الى الانهيار النهائي للنظام نتيجة الاجتياح الأميركي في 2003.
في سورية، ترافق صعود باسل الأسد، الذي كان مفترضا ان يخلف والده لو لم يقتل في حادث سير مطلع العام 1994، الى الواجهة مع إبعاد عمّه رفعت الأسد في 1984. يترافق الآن صعود حافظ بشّار الأسد مع إبعاد رامي محمد مخلوف وذلك في ظل بروز نجم أسماء الأخرس الأسد التي تعتقد أن شيئاً لم يحدث في سورية وأن من الطبيعي أن يخلف ابنها البكر والده في يوم من الأيّام.
في ستينات القرن الماضي، وضع الصحافي البريطاني باتريك سيل كتاباً بعنوان «الصراع على سورية». وفي النصف الثاني من السبعينات، صدر كتاب الديبلوماسي الهولندي نيكولاس فان دام بعنوان «الصراع على السلطة في سورية».
يشرح هذا الكتاب بالتفاصيل التحولات التي شهدها الجيش السوري من استبعاد للضباط السنّة أبناء المدن الكبرى... إلى إنهاء دور الضباط الدروز والإسماعيليين، وصولاً الى السيطرة العلوية على الجيش بطريقة ممنهجة.
في عهد حافظ الأسد الذي استمر ثلاثين عاماً، كان هناك دور كبير لسورية على الصعيد الإقليمي، خصوصا بعد دخولها الى لبنان وسعيها الى الإمساك بالورقة الفلسطينية والحلف مع إيران الذي ظهر بوضوح من خلال وقوفها ضد العراق في حرب السنوات الثماني.
ترافق ذلك مع نوع من المحافظة على المظاهر وذلك عبر وضع سنّة من الريف، مثل مصطفى طلاس وعبدالحليم خدّام وحكمت الشهابي وغيرهم، في الواجهة. أمّا السلطة الحقيقية والفعلية، فكانت في يد الضباط العلويين من رؤساء الأجهزة مع هيمنة غير ظاهرة لمحمّد مخلوف (والد رامي وشقيق زوجة حافظ الأسد) على الجانب الاقتصادي. كان الدور الأساسي لمحمّد مخلوف يتمثّل في استرضاء العلويين بما يملكه من وسائل إقناع، يأتي المال في طليعتها.
كانت خلافة بشّار الأسد، بدل باسل الأسد، لوالده بداية تحوّل على صعيد انتقال الحكم من الطائفة الى العائلة الواحدة في ظلّ توسّع للدور الإيراني.
وصف أحد الزعماء العرب سورية في عهد بشّار الأسد وفي ظلّ والدته أنيسة وخاله محمّد (أبو رامي) بأنّها تحولت الى ما يشبه شركة مساهمة عائلية يديرها مجلس إدارة.
ما نشهده الآن هو انفراط الشركة في ظل غياب الأم (أنيسة) ومرض الخال (محمد مخلوف) والتخلّص قبل ذلك، في 2012، من آصف شوكت الذي كان دخيلا على العائلة على الرغم من زواجه من بشرى الأسد، الشقيقة الكبرى لبشّار.
بغض النظر عمّا إذا كان تحالف بشّار - أسماء - ماهر سيتمكن من التخلّص من رامي وانتزاع شركاته منه، يظلّ ان ما يجري في دمشق أقرب الى مهزلة. الحدث الكبير صار خارج البيت الرئاسي في دمشق وقت ليس معروفاً مدى الدعم الروسي لآل مخلوف من جهة وما الذي ستفعله إيران من جهة أخرى. يحصل ذلك كلّه في وقت صار الوجود التركي في شمال سورية أقرب الى الوجود التركي في شمال قبرص، القائم منذ العام 1974.
لم تعد سورية لاعباً إقليمياً بمقدار ما ان المطروح العودة الى عنواني كتابي باتريك سيل ونيكولاس فان دام، أي إلى «الصراع على سورية» و«الصراع على السلطة في سورية». العنوان الأوّل يضع الأزمة السورية الدائمة في إطارها الإقليمي... والثاني يضع أزمة سورية في الإطار الداخلي، أي في إطار طائفي ومذهبي صار الآن عائلياً في المفهوم الضيّق، بل الأضيق، للكلمة.
هذا ما تحدّث عنه كتاب ثالث لسام داغر صدر العام الماضي تحت عنوان «الأسد أو نحرق البلد».
هذا الكتاب يعرض على نحو مستفيض مقدّمات المرحلة الراهنة حيث لم يعد مكان سوى لعائلة واحدة بدل عائلتين في عائلة واحدة في ظروف تدعو الى الاعتقاد أن توريث حافظ الصغير لوالده أقرب الى توريث صدّام لأحد ابنيه عديّ أو قصيّ!