صراع عائلتين في عائلة واحدة

1 يناير 1970 08:21 م

ليس التاريخ الحديث لسورية، منذ استقلت في العام 1946 سوى سلسلة من الصراعات توّجت بالصراع الضيّق، بكلّ المقاييس والأبعاد، القائم حالياً بين بشّار الأسد وزوجته أسماء وشقيقه ماهر من جهة، وآل مخلوف، ممثلين برامي محمّد مخلوف من جهة أخرى... من قضية سورية ذات أبعاد دولية وإقليمية إلى مشكلة عائلية خلفيتها مصير بلد بكامله.
إنّه صراع بين عائلتين في عائلة واحدة لم يعد فيها مكان لآل مخلوف الذين شكلوا طوال سنوات الذراع المالية للسلطة التي تشكّلت في 16 نوفمبر من العام 1970 عندما احتكر حافظ الأسد الحكم وصار في فبراير 1971 أولّ علوي يتولّى الرئاسة في الجمهورية العربية السورية.
من صراع على بلد ودوره في المنطقة... إلى صراع ذي طابع مالي وتجاري ببعد عائلي محوره شركات تجارية. هل هذه نهاية سورية التي عرفناها؟
نشهد نهاية مأسوية لبلد كان مرشّحاً لأن يكون أحد أكثر البلدان ازدهاراً في الشرق الأوسط، فإذا به في السنة 2020 تحت خمسة احتلالات. هناك الاحتلالان التركي والإسرائيلي المرشحان لأن يكونا دائمين، فيما كل الأسئلة مطروحة في شأن مستقبل إيران وحليفها الصيني في سورية ومتى تبدأ مرحلة انتقالية استنادا الى القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن تنفيذاً لتفاهم أميركي - روسي بدأت ملامحه تتبلور قبل فترة ليست بالقصيرة.
انتهى تاريخ سورية، المستقلة منذ 74 عاماً، بصراع عائلي ضيّق هدفه تجميع كلّ السلطات وكلّ الثروات بيد آل الأسد، خصوصا أن النجل الأكبر لبشّار الأسد (حافظ) كبر وهو في طريقه إلى تولي موقع ما في تركيبة السلطة.
لا يمكن اعتبار التاريخ الحديث لسورية سلسلة من الصراعات فحسب، بل إنّه أيضا تاريخ عجيب غريب لبلد عربي مستقلّ وقع فيه أوّل انقلاب عسكري ناجح في العام 1949 عندما أزاح حسني الزعيم، الرئيس المنتخب شكري القوتلي.
ما لبث القوتلي نفسه أن أقدم، بعد عودته إلى السلطة مجدداً، بإرادته الحرّة أو بغير إرادته، على عمل أحمق هو الوحدة المصرية - السورية في 1958. استمرّت هذه الوحدة التي لا أساس علمياً أو منطقياً لها ثلاث سنوات، فكان عهد الانفصال الذي أعاد بعض الأمل إلى سورية التي بدأ شعبها يتعوّد في عهد الوحدة على حكم الأجهزة الأمنية وتكميم الأفواه والتأميمات بكلّ ما يرمز إليه ضابط آخر متوحّش اسمه عبدالحميد السرّاج.
في الثامن من مارس 1963 وقع الانقلاب البعثي الذي عادت معه الأجهزة الأمنية إلى الواجهة. في 23 فبراير 1966 انقلب الضباط العلويون البعثيون على البعث نفسه. يومذاك وُضع الحجر الأساس لتولي ضابط علوي الحكم في سورية التي ما لبثت أن تحوّلت إلى ملعب لحافظ الأسد وحده. على هامش صعود الأسد، لا يمكن تجاهل سقوط الجولان في قبضة الاحتلال الإسرائيلي إبان توليه وزارة الدفاع في 1967.
في ستينات القرن الماضي، وضع الصحافي البريطاني باتريك سيل كتاباً بعنوان «الصراع على سورية». وفي النصف الثاني من السبعينات، صدر كتاب الديبلوماسي الهولندي نيكولاس فان دام بعنوان «الصراع على السلطة في سورية». يشرح هذا الكتاب بالتفاصيل التحولات التي شهدها الجيش السوري من استبعاد للضباط السنّة أبناء المدن الكبرى... إلى إنهاء دور الضباط الدروز والإسماعيليين، وصولا الى السيطرة العلوية على الجيش بطريقة ممنهجة.
في عهد حافظ الأسد الذي استمر ثلاثين عاماً، كان هناك دور كبير لسورية على الصعيد الإقليمي، خصوصا بعد دخولها الى لبنان وسعيها الى الإمساك بالورقة الفلسطينية والحلف مع إيران الذي ظهر بوضوح من خلال وقوفها ضد العراق في حرب السنوات الثماني.
ترافق ذلك مع نوع من المحافظة على المظاهر وذلك عبر وضع سنّة من الريف، مثل مصطفى طلاس وعبدالحليم خدّام وحكمت الشهابي وغيرهم، في الواجهة. أمّا السلطة الحقيقية والفعلية، فكانت في يد الضباط العلويين من رؤساء الأجهزة مع هيمنة غير ظاهرة لمحمّد مخلوف (شقيق زوجة حافظ الأسد) على بعض من الجانب الاقتصادي.
لم يحلّ ذلك دون بروز ظاهرة رفعت الأسد التي قمعت بالطريق المناسبة، خصوصا مع بدء التهيئة لتوريث باسل الأسد الذي قتل في حادث سير مطلع العام 1994.
كانت خلافة بشّار الأسد لوالده بداية تحوّل على صعيد انتقال الحكم من الطائفة الى حكم العائلة الواحدة في ظلّ توسّع للدور الإيراني. وصف أحد الزعماء العرب سورية في عهد بشّار الأسد وفي ظلّ والدته أنيسة وخاله محمّد (أبورامي) بأنّها تحولت إلى ما يشبه شركة مساهمة عائلية يديرها مجلس إدارة.
ما يحدث الآن هو انفراط الشركة في ظل غياب الأم (انيسة) ومرض الخال (محمد مخلوف) والتخلّص قبل ذلك، في 2012، من آصف شوكت الذي كان دخيلاً على العائلة على الرغم من زواجه من بشرى الأسد، الشقيقة الكبرى لبشّار.
هل يعود ذلك الى إعداد الابن البكر لبشّار برعاية والدته للمرحلة المقبلة، وهو تفكير أقرب الى ما يشبه الرهان على وهم؟ بغض النظر عمّا إذا كان تحالف بشّار - أسماء - ماهر سيتمكن من التخلّص من رامي وانتزاع شركاته منه، يظلّ أن ما يجري في دمشق أقرب إلى مهزلة.
الحدث الكبير صار خارج دمشق في وقت ليس معروفاً مدى الدعم الروسي لآل مخلوف من جهة وما الذي ستفعله إيران من جهة أخرى. يحدث ذلك كلّه في وقت صار الوجود التركي في شمال سورية أقرب الى الوجود التركي في شمال قبرص، القائم منذ العام 1974.
لم تعد سورية لاعباً إقليمياً بمقدار ما أن المطروح العودة إلى عنواني كتابي باتريك سيل ونيكولاس فان دام، أي الى «الصراع على سورية» و«الصراع على السلطة في سورية». العنوان الأوّل يضع الأزمة السورية الدائمة في إطارها الإقليمي... والثاني يضع أزمة سورية في الإطار الداخلي، أي في إطار طائفي ومذهبي صار الآن عائلياً في المفهوم الضيّق، بل الأضيق، للكلمة...