الثمن النهائي للخروج السوري من لبنان

1 يناير 1970 01:23 ص

قبل خمسة عشر عاما انسحب الجيش السوري من لبنان. كانت تلك بداية احداث كبيرة تجاوزت لبنان الى سوريا نفسها حيث نظام عاش منذ قيامه في العام 1970 على تصدير ازماته الى خارج. هذه المرّة ارتدّت هذه السياسة على النظام نفسه الذي لم يستوعب في ايّ وقت الابعاد التي ستترتّب على اغتيال رفيق الحريري ورفاقه وانّ الامر ليس مجرّد «رذالة»، أي حدث عابر، على حد تعبير اميل لحّود رئيس الجمهورية وقتذاك. كان اميل لحّود يعتقد ان الناس ستعود الى اعمالها سريعا وكأنّ شيئا لم يكن. وهذا يفسّر التعليمات التي أصدرها بوجوب تنظيف مسرح الجريمة على وجه السرعة. وهو عمل ما لبث ان توقف نتيجة تدخلات داخلية ودولية في آن.
جاء الانسحاب السوري بعد اقلّ من ستة أسابيع على اغتيال رفيق الحريري في الرابع عشر من فبراير – فبراير 2005. كان الانسحاب بمثابة بداية رحلة السقوط للنظام السوري. سارعت ايران، عبر «حزب الله» الى ملء الفراغ الأمني والسياسي الذي خلفه خروج سوريا عسكريا وامنيا وسياسيا من لبنان. ليس معروفا، الى الآن، ما الذي قصده تماما حسن نصرالله الأمين العام لـ«حزب الله» بعبارة «شكرا سوريا» في الخطاب الذي القاه يوم الثامن مارس 2005 في بيروت دفاعا عن النظام السوري وعن وجوده في لبنان. هل كان يعني بالفعل ما فهمه الناس من ظاهر الخطاب... ام كان يشكر النظام السوري على تغطيته جريمة اغتيال رفيق الحريري التي ادّت، على ارض الواقع الى حلول الوصاية الايرانية مكان الوصاية السورية – الايرانية؟
يتكشّف، بعد خمسة عشر عاما على الحدث، الذي كان نتيجة مباشرة لاغتيال رفيق الحريري، حجم الأخطاء التي ارتكبها بشّار الأسد الذي لم يخسر سوريا ولبنان فحسب، بل لعب دورا محوريا في تدمير البلدين على رؤوس ابنائهما. لم يدمّر لبنان على رأس رفيق الحريري كما توعّد الراحل الكبير، بل دمّر سوريا على رأسه هو وعلى رأس السوريين أيضا. لم يدرك بكل بساطة خطورة تحوّله الى أداة إيرانية وما الذي يمكن ان تؤدي اليه جريمة محدّدة لعب الدور الأساسي في تغطيتها وحتّى المشاركة فيها.
شيئا فشيئا، منذ انسحاب جيش النظام من لبنان، بدأت سوريا تفلت من بين يدي بشّار الاسد وصولا الى المرحلة الراهنة التي أصبحت فيها سوريا رجل المنطقة المريض. جرّت معها لبنان الى هذا الوضع بعد ابتعادها عن العقلانية ووضع بشّار الأسد نفسه في خدمة ايران. قبل 26 نيسان – ابريل 2005، كان الجيش السوري في لبنان. في 26 نيسان – ابريل 2020، صار «حزب الله» في داخل سوريا حيث يدافع مباشرة عن النظام وعن بشار الأسد. اكثر من ذلك، صار الرئيس فلاديمير بوتين يأتي الى دمشق ويستدعي بشار الأسد الى مركز تجمّع القوات الروسية في العاصمة السورية في اليوم التالي لاغتيال قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني بعيد من وصوله من دمشق الى مطار بغداد.
تبدو كلّ الحسابات السورية خاطئة منذ توريث حافظ الأسد لبشّار الأسد وقيام نظام عائلي ما لبث انّ دبت الخلافات بين افراده، وهو ما حاصل الآن بين آل الأسد وآل مخلوف. بين بشّار وزوجته اسماء وماهر من جهة ورامي مخلوف واخوته من جهة أخرى.
بعد 15 عاما وشهر ونصف شهر على اغتيال رفيق الحريري وقبل أسابيع قليلة من صدور حكم المحكمة الدولية المتوقّع قبل نهاية شهر ايّار الجاري، هناك حدثان لا بدّ من استعادتهما. الاوّل قول رفيق الحريري لي شخصيا مساء السبت الواقع فيه 12 فبراير 2005 في اثناء نقاش دار في بيته في قريطم: «من سيقتلني مجنون. هل تعتقد ان النظام السوري مجنون؟». كان جوابي، بما معناه، اني كنت اعتقد النظام عاقلا الى ان فرض التمديد لاميل لحود في مجلس النوّاب اللبناني على الرغم من صدور قرار مجلس الامن الرقم 1559، وهو قرار اعتبر نائب الرئيس فاروق الشرع في حينه ان سوريا «غير معنية به».
امّا الحدث الثاني، فكان زيارة قام بها آصف شوكت لليبيا وذلك عشيّة القرار الذي اتخذه مجلس الامن بانشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في ايّار – مايو 2007. التقى آصف شوكت، الذي كان مسؤولا عن شعبة المخابرات العسكرية، احد مساعدي الزعيم الليبي الراحل معمّر القذافي الذي كانت علاقته بالادارة الأميركية بدأت تتحسّن اثر تخلّصه من مخزون أسلحة الدمار الشامل الذي كان لديه. طلب آصف شوكت وساطة ليبيا مع الاميركيين والاوروبيين من اجل اغلاق ملفّ اغتيال رفيق الحريري وتفادي قيام المحكمة الدولية. قال بالحرف الواحد للمسؤول الليبي: «دفعنا ثمن الجريمة (جريمة اغتيال رفيق الحريري). خرجنا من لبنان. ما الذي تستطيع ان نفعله اكثر من ذلك؟».
لم يكن الخروج من لبنان ثمنا كافيا. هذا ما أكدته الاحداث وهذا ما اكّده الواقع. الثمن الخروج من سوريا أيضا طال الزمن ام قصر. السؤال ما الثمن النهائي الذي ستدفعه سوريا وما الثمن الذي لا يزال يدفعه لبنان؟