كل ما في الأمر أنه لم يعد هناك أحد ليستغرب هذا الأمر، لم يعد بوسع أولياء الأمور سوى الحملقة بأبصارهم.
عزيزي السيد محمد العطوان...
بخصوص سؤالك عن قانونية إجراء عمليات التجميل للمراهقين والمراهقات تحت سن الثامنة عشرة، وعن حق الحماية من التعرض لإرهاب الإعلانات وموضة الجمال، ورغبتك في كتابة مقال عن هذا الموضوع، فأعتقد أن وقوفك في وجه أي حاكم ديكتاتور لتقول له اتقِ الله في الرعية، سيكون أسهل عليك من الوقوف في وجه البوتوكس والفيلر والرتوش الخفيفة ورسم الحواجب بالليزر والعمليات التجميلية، لمن لم يبلغوا الأهلية المجتمعية أو حتى السن القانونية.
رغم أن الرعية الجاحدة على الدوام لعطايا الديكتاتور، قد تقدر استشهادك في سبيلها رغم جحودها، إلا أن السادة أصحاب عيادات التجميل، وفلاسفة النفخ والصور المستنيرين سيعتبرون وقوفك في وجه البوتوكس والفيلر ليس وقوفاً أمام الجَمال فحسب، بل هو وقوفٌ أمام ما أنتجته الآلة الحضارية، وستخوض في نقاشات كثيرة حتى أخمص قدميك اللتين تقف بهما على ظهر القارب، للدرجة التي تجعلك أنت ومن تناقشه لا تنتبهان إلى الذي حصل، وهو أن الحوت قد ابتلعكما معاً دون أن تشعرا بذلك، وباستثناء دونالد ترامب، لن يكون هناك على وجه البسيطة من هو أكثر منك حصولاً على السب والشتم من السيدات اللاتي يسعين إلى القضاء على التجاعيد أو تغير شكل أنوفهن!
من أجل كل ذلك فلا تكتب مقالاً عن إزالة التجاعيد الخارجية والنضارة لسيدات المجتمع الراقي المليء بالتجاعيد الداخلية، لأن الموضوع أصبح مستهلكاً و«ماصخ» وله أبعاد ومتغيّرات كثيرة تتعلّق بقيم المجتمع وصراعاته ومفاهميه تجاه الجَمال والقبح.
ماذا إذاً... دعونا نتحدث عن ما تبقى، حقوق الفتيات والشابات والمراهقات في ألا يبتلعهن الحوت ليجعلهن كارهين لأنفسهن في سن مبكرة.
تعديل شكل الأنف إحدى العمليات التجميلية الأكثر شعبية لدى المراهقين. وبشكل عام أصبحت هذه العملية مقبولة اجتماعياً، ولتجسيد شعبية هذه العملية، تكفي قراءة المعطى التالي:
ارتفعت كمية عمليات تجميل الأنف لدى المراهقين في الولايات المتحدة بـ10 أضعاف خلال السنوات 1994 - 2004، حسب معطيات الجمعية الأميركية للعمليات التجميلية.
وتلقى عمليات تجميل الأنف نجاحاً كبيراً جداً في أوساط المراهقين. حيث إن أكثر من 50 في المئة من العمليات التجميلية التي يخضع لها الشباب هي عمليات تجميل الأنف. فحوالي 12 في المئة من المراهقين كانوا سيشعرون بفرح لو استطاعوا تغيير أنوفهم.
ويصبح السؤال الآن ليس لماذا يسمح للمراهقين والمراهقات في الكويت بعمليات تجميل للأنف؟ بل لماذا لا يسمح لهم بالزواج قبل سن الثامنة عشرة؟
قد تجد بأنه لا علاقة بين السؤالين، ولكن في الحقيقة فإن إجابة السؤال الثاني هي ذاتها إجابة السؤال الأول!
لماذا تشن حملة لتطهير الشوارع والمساجد من الجماعات الدينية، التي تأخذ المراهقين في معسكرات غسيل الدماغ؟ ببساطة لأننا نعتقد أن هذا الفعل هو استغلال وانتهاك للقدرات العقلية لمراهقين، لم يخوضوا بعد تجارب الحياة، إنه خرق لحق الاختيار الواعي تجاه الأشياء.
فلماذا إذاً نسمح بغسيل دماغ آخر يجعلهم يقومون بعملية تجميلية ليست من اختيارهم بل مفروضة عليهم، من الإرهاب الفكري المنظم تجاه أجسادهم أو أنوفهم؟
الإجابة ببساطة يا سيدي لأن المجتمع لا يرى خطورة في غسيل الدماغ الثاني، رغم أن المبررات نفسها تنطبق على السؤالين.
حسناً... إن علينا أن نفكر في كلمة واحدة تجاه ما يحدث لهؤلاء المراهقين والمراهقات حتى أولئك البالغين من العمر عشرين عاما إنها كلمة الشفقة.
والشفقة هنا ليست تجاه المراهقين بل تجاه أولياء أمورهم، لأن نحت البطن والخصر وأسفل الظهر وحقن الدهون الذاتية في المؤخرة والأرداف بشكل متناسق، كل ذلك سيصبح حقاً من الحقوق والحريات الأساسية التي بدأت مع الأنف والأذن والحنجرة!
ويحدث كل شيء باسم الجَمال من دون أن يدري لماذا يزج باسمه في كل هذا، فقد كتب فيكتور هوغو ذات يوم أن للجمال طرازا واحدا فقط، أما القبح فله مئات بل آلاف الأشكال الموجودة والظاهرة حولنا.
وبقدر ما بلغ المتفاصح من مجاري الكلام وبلاغة المقال، فلن يستطيع أن يحذر الناس من فخ القبح المغلّف بالجَمال، فنصيحتي لك يا سيدي أن تترك الأمور تسير دون تدخل، واكتب مقالاً عن إمكانية معرفة الطفل ما إذا كان الشيء جميلاً أم لا؟ وما هي معاييره في ذلك؟
تحياتي الحارة لك...
مرسل من:
البروفيسور عزة أبو الرجال
عالم اجتماع أنثروبولوجيا
جامعة الإبداع الفرنسية.
@moh1alatwan