«مشروع القانون المطروح مهم لكنه يأخذ المتقاضي إلى اللامكان»

«مُخاصمة القضاء»... سِكة لا تنتهي بمحطة

1 يناير 1970 09:37 م

لا تعريفات خاصة بحالات الغش والتدليس والخطأ المهني الجسيم

إنكار العدالة ليس من ضمن الحالات  ... وهو أهم منها جميعاً

للنائب العام اختصاصات ذاتية منها تلقي البلاغات ضد الوزراء

اختصام النائب العام يسبّب عائقاً ويثير شبهة عدم الدستورية

التدليس إما أن يكون مدنياً يخص الإرادة  وإما أن يكون المكوّن  لجريمة النصب

يجب أن تدافع عن القضاة هيئة خاصة تتبع التفتيش القضائي عند مخاصمتهم

الخطأ المهني الجسيم لم يُحدّد على سبيل الحصر... فما الذي يُعتبر جسيماً؟

تبنّت الحكومة في العام 2015 مشروع قانون مسؤولية الدولة عن أعمال القضاء، وقدّمت بالفعل مشروع قانونها إلى مجلس الأمة، حيث تمت مناقشته باستفاضة في اللجنة التشريعية، وطُلب رأي مجلس القضاء الأعلى الذي اعترض على المشروع لأسباب ذكرها في معرض رده على اللجنة، وكذلك تم أخذ رأي النيابة العامة، ووزارة العدل. وعلى إثر ذلك تم تقديم اقتراحين بقانون من قبل مجموعتين من النواب، وأعدت اللجنة التشريعية تقريرها بشأن الموضوع وأحالته إلى مجلس الأمة للمناقشة والتصويت في المداولتين.
كان المحامون القدماء يجتمعون بعد صدور كل قانون جديد، يتناقشون ويجدون لبعضهم الثغرات، ويستفيضون بالمناقشة حتى تأخر الليل... كانت الإمكانات في السابق بسيطة، أما اليوم فالسعة كبيرة، ويستطيع المتتبع للشأن البرلماني أن يتابع أخبار المجلس بتفاصيلها ويحصل على نسخ من مشاريع القوانين قبل مناقشتها، فيكون له دور في إبداء رأيه قبل صدور القانون، ولعل الجهد الذاتي الذي يتولد من تلك العملية المضنية كفيل بأن يرشد المهتمين وأصحاب الشأن لما فيه الخير والصالح العام.
يفيض جدول أعمال مجلس الأمة بالعديد من مشاريع القوانين التي أنجزتها اللجنة التشريعية وأعدت تقاريرها، ومن أهم تلك القوانين، مشروع قانون «مسؤولية الدولة عن أعمال القضاء والنيابة» الذي قدمته الحكومة، وقد تناولت صفحة «الراي القانوني»، الأسبوع الماضي، المثالب القانونية الجسيمة في هذا المشروع في ما يخص اختصام النيابة العامة.
لقد بشر السياسيون منذ أمد طويل بقانون اختصام القضاء، وجعل الكثير منهم هذا القانون مادته الأساسية، فلماذا يُعتبر هذا القانون مهماً من الناحية العملية؟
بعد أمد طويل من إنشاء المحاكم، تبرز أهمية قانون مسؤولية الدولة عن أعمال القضاء، ولكي تكون هذه الإمكانية محققةً لغاياتها السامية، وتطبيقاً حياً لمبدأ «لا سلطة بلا مسؤولية»، يجب مراجعة هذا المشروع ونقده، خاصة في ما يتعلق بما حواه تقرير اللجنة التشريعية في صورته النهائية المرفوعة لمجلس الأمة، والتي حدد في المادة 305 منه بالنص على أنه: «تجوز مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة العامة إذا وقع من القاضي أو عضو النيابة العامة في عمله غش أو تدليس أو خطأ مهني جسيم، وتكون الخزانة العامة مسؤولة عن تنفيذ ما يحكم به على المخاصم من تعويضات بسبب أي من هذه الأفعال ولها حق الرجوع عليه».
يتبيّن من بناء النص أن مشروع القانون حدّد الحالات التي تقوم بها هذه المسؤولية المستحدثة وهي: الغش، والتدليس، والخطأ المهني الجسيم.
ولم تضع اللجنة التشريعية تعريفات لهذه الحالات، مما يفتح الباب أمام إطلاق السلطة التقديرية للمحاكم في ما يعتبر غشاً أو تدليساً أو خطأ مهنياً جسيماً، وهو أمر غير محمود، فالعبرة في القوانين أن تكون عباراتها واضحة القصد قاطعة الدلالة، ولم يكن للغش في العمل القضائي مثيل حتى يُقاس عليه، ولا التدليس سهل التفسير خاصة مع اختلاف مضمون هذا اللفظ في الاستخدام القانوني، ففي القانون المدني للتدليس معنى يفيد قيام عيب من عيوب الإرادة في التعاقد، أما في القانون الجنائي فهو الركن المكون لجريمة النصب، وبالتالي فاللفظ يستخدم في أكثر من مقام باستخدامات مختلفة الدلالة يترتب عليه اختلاف الآثار التي تنعقد عند توافره. أما الخطأ المهني الجسيم، فالقاضي أو عضو النيابة العامة عند ممارسة ولايته القضائية، يستمد ذلك من الدستور مباشرة، ومن القوانين التي تختلف مضامين توجيهاتها من حيث اللزوم وما يرتب البطلان وما بين ما يكون قواعد تنظيمية، وعليه يجب أن يُعرّف القانون الخطأ المهني الجسيم تعريفاً جامعاً مانعاً كي لا تتداخل الحالات في ذهن المتقاضي أولاً فيلجأ لدعوى المخاصمة لما ليس له حق به، والحال كذلك منطبق على القاضي وعضو النيابة العامة.
إن عدم شمول المشروع بقانون على حالة إنكار العدالة، وإن كانت هذه الحالة – وهي الحالة الأهم - في جميع أحوال دعوى المخاصمة تندرج تحت الخطأ المهني الجسيم، فإنه يجب أن يتم النص على ذلك في صدر القانون، أما وإن اللجنة التشريعية لم تأخذ بهذه الحالة من ضمن مشروع القانون المقدم في تقريرها، فإنه قد يُفهم من ذلك استبعاد إنكار العدالة من قائمة الحالات التي تندرج تحت مفهوم قيام مسؤولية الدولة عن أعمال القضاء.
هناك عدم وضوح للرؤية القانونية من حيث كون دعوى المسؤولية دعوى صفة أو دعوى شخصية، إذ إن البيّن من القانون أن الدولة ملزمة بتنفيذ الاحكام الصادرة بهذا الشأن لكن مشروع القانون غفل عن نقطة جوهرية، وهي عندما أسند المسؤولية إلى الدولة لم يُمكّنها من الدفاع عن نفسها في تلك الحالة، وترك الاختصام رهينة شخص القاضي أو عضو النيابة العامة، وهو أمر يهدد المؤسسة القضائية ويجعل من القضاة خصوماً بأشخاصهم يدافعون كما يدافع المتقاضي العادي، في حين أنه في مسؤولية الدولة ببقية الدعاوى أفرد القانون الساري إدارة خاصة لتلقي الدعاوى والدفاع عن قرارات الدولة بشكل لا يؤثر على سير العمل في المرافق العامة ولا يؤذي بشكل خاص صاحب القرار، فيترك عمله اليومي الذي تولاه بما فيه من مسؤوليات ليتابع أحوال قضاياه، ولهذا كانت إدارة الفتوى والتشريع جهازاً أصيلاً في سلسلة التشريعات الأولى في الدولة.
ومن ثم ولأن القضاء سلطة، والسلطة لا يجوز أن تدافع عنها سلطة أخرى وفي ذات الوقت لا يجوز أن يُسند هذا العمل للقضاة لمباشرته بأنفسهم لكون المسؤولية تنعقد على الدولة لا عليهم، ومن هنا يجب إنشاء هيئة دفاع تتبع التفتيش القضائي تكون مهمتها شبيهة بمهمة الفتوى والتشريع، تتولى الحضور في قضايا المخاصمة، وتسترشد بدفاع القاضي المختصم بمذكرة داخلية، ولا يكون ساعتها هناك حرج على كل الأطراف أو حاجة لعقد جلسات دعوى المخاصمة بشكل سري مثل ما هو ثابت في مشروع القانون. وليس من الحصافة بمكان تطبيق ما نص عليه القانون من تنظيم لطلبات رد القضاة وذلك لاختلاف العلة بين طلب الرد ودعوى الاختصام، فالرد أصله قيام حالة من حالات عدم الصلاحية المنصوص عليها في قانون المرافعات وهي غالباً ما تتضمن وقائع خارجة عن أوراق الدعوى المنظورة، أما دعوى المخاصمة فالطالب فيها ينازع في قيام خطأ ثابت في أوراق الدعوى من قرارات للمحكمة ثابتة في محاضر الجلسات أو في الأحكام التي تصدرها، وبالتالي فإن النظام القانوني لكتا الحالتين مختلف من الناحية البنيوية ويحتم أن يكون لنظام المخاصمة طريق خاص غير ذلك الموجود في طلبات الرد، ومن أهمه اقتراح أن تنشأ هيئة تتبع التفتيش القضائي تكون مهمتها الدفاع عن سلامة موقف القضاة من ناحية قانونية خاصة، لا سيما أن التفتيش القضائي ذو باع طويل في التعامل مع الشكاوى والتعامل معها.
سبق أن ناقشت «الراي القانوني» في مقال (لماذا اختصام النيابة العامة؟) الجانب الخاص بمشروع مسؤولية الدولة عن أعمال القضاء، وأفرد المقال العديد من المثالب القانونية، وقد يكون من الجدير الإشارة إلى أنه بالنسبة لمنصب النائب العام فقد حددت القوانين اختصاصات حصرية له ولم تمنحه التفويض أو الإنابة في مباشرة تلك الأعمال، ويأتي من أهمها تلقي البلاغات الخاصة بمحاكمة الوزراء وإحالتها للجهة المختصة، وبالتالي فإن رفع دعوى المخاصمة ضد النائب العام يهدم فكرة أن النيابة كل لا يتجزأ، وفيها انقضاض على فكرة الشرعية الدستورية بحجة المخاصمة التي توجب التنحي التلقائي عن العمل فور تلقي دعوى المخاصمة، مما يجعل من عمل النائب العام في المثال سالف البيان أسيراً، ومآل تلك التصرفات التعطيل ووقف الدعوى العمومية من دون مبرر أو حتى من دون أن يزنها المشرع بميزان المصلحة الأولى بالرعاية.
لقد نظم قانون المرافعات الكيفية التي يتم من خلالها إصدار الأحكام ونظم عملية المداولة القضائية، وجعل أساسها السرية في ما بين القضاة الذين سمعوا المرافعة، وجعل الأحكام تصدر بأغلبية الآراء، ولما كان في الغالب أن ينضم أحد الفريقين من دون أن يثبت الرأي الآخر لكون المداولة لا تثبت في المحاضر، وبالتالي فإن ثبوت الخطأ وقيام المسؤولية في حق جميع أعضاء الدائرة قد يكون غير واضح المعالم، وبالتالي يستوجب بالضرورة تعديل قانون المرافعات إلى تغيير نمط المداولات عن شكلها الحالي ليثبت الرأي المختلف كي لا يتحمل صاحب الرأي وزر القرار أو الحكم في دعوى المخاصمة.
إن مشروع قانون مهم وطال أمد انتظاره، لكنه من القصور ألا يتجمل ببعض الأساسيات القانونية التي لم ترد فيه، والبناء التشريعي في حقيقته هو بناء يشبه سكة القطار يجب أن تبدأ بمحطة وتنتهي بمحطة، ولا نرى أن لهذا القانون من محطات وكأنه يأخذ المتقاضي إلى اللامكان.