يمضي المنتخب العراقي بنجاح في «خليجي 24» بتحقيق انتصارين متتاليين على قطر المضيفة والإمارات، وتنتظره مباراة، الاثنين، في المتناول مع اليمن أضعف منتخبات المجموعة الأولى، سيسعى من خلالها إلى ضمان تصدر المجموعة وبالتالي بلوغ الدور نصف النهائي ومتابعة حلم تحقيق اللقب الرابع في تاريخه، والأول من دون «عمو بابا».
توفي «عمو بابا» في مايو 2009 عن 75 عاماً، وهذا بالمناسبة لقبه، فاسمه «عمانوئيل داود» وأطلق عليه، مكتشفه، المعلق الرياضي الشهير إسماعيل محمد اللقب وبات يعرف به حتى رحيله.
وقبل رحيله بشهور قليلة كان المدرب الكبير ضيفاً على اللجنة المنظمة لـ«خليجي 19» في عمان، وبدا أن المرض قد أنهكه ولكن من دون أن يمنعه من متابعة منتخب بلاده الذي لم يقدم وقتها المستوى المنتظر وخرج من الدور الأول.
لم يتحدث عمو بابا كثيراً خلال وجوده في مسقط، ولكن، ومن «قليل ما أدلى به» بدا أنه يستشعر مرارة تراجع نتائج وأداء منتخب لطالما حلّق عالياً في سماء هذه البطولة وغيرها من الاستحقاقات.
قبل ان ينتقل إلى المجال التدريبي ويحقق ما حقق من انجازات استحق على اثرها لقب «مدرب القرن في العراق»، بدأ عمو بابا مسيرته الرياضية لاعباً في نادي الطيران «القوة الجوية حالياً»، وكان مهاجماً فذاً والهداف الأول للكرة العراقية في خمسينات وستينات القرن الماضي، وهناك من يراه بأنه الأفضل على الإطلاق في تاريخ «أسود الرافدين».
اقتحم عمو بابا عالم التدريب ليصيب نجاحاً أكبر محلياً وخارجياً.
إنجازات كبيرة وفترة ذهبية عاشها المنتخب العراقي بقيادة عمو بابا، بدأت بالتتويج بـ«خليجي 5» في بغداد 1979 بعد أداء لافت ونتائج كاسحة، ومنها انطلقت مسيرة النجاح التي كان من محطاتها الجميلة لقبان آخران لكأس الخليج في مسقط 1984 والرياض 1988، ليكون أول وآخر مدرب يتوج باللقب 3 مرات.
كان له شعبية جارفة في العراق لاعباً ومدرباً، ويتندر عليه المقربون منه بأنه عند خروجه من منزله لا يحمل أموالاً، لأنه لن يدفع شيئاً في مقابل أي خدمة أو سلعة يقوم بشرائها ولو حاول ذلك سيواجه بالرفض من قبل أصحاب المحلات في بغداد.
لم تكن مسيرة عمو بابا في المجمل «وردية» حتى وان فاق النجاح فيها الفشل، وفي ظل ظروف صعبة كان يمر بها العراق، لم يكن المدرب العجوز مستثنى من عقوبات يتعرض لها المنتخب في حال عدم تحقيق نتيجة مطلوبة في أي بطولة أو تصفيات، بصرف النظر عن الظروف التي تواكب ذلك الاستحقاق أو المستوى والجهد المبذول من الفريق وجهازه الفني.
كان يحمل همّ المصير الذي سيواجهه أبناؤه اللاعبون في حال الاخفاق وعند عودتهم الى العراق، وفي آخر مهمة قاد بها المنتخب، في التصفيات النهائية لمونديال أميركا 1994، وكان قد أحضر من بغداد بديلاً للمدرب المقال عدنان درجال، صرح لإحدى وكالات الأنباء العالمية: «لقد افنيت حياتي متطوعـا في سبيل تطوير الكرة العراقية ولم يبقَ لدي مـا اعطي، امنيتي الوحيدة هي تحقيق الفوز على اليابان والعودة الى ابناء شعبي لأقدم لهم سمات دخول لاعبي العراق الى الأراضي الأميركية على طبق من فضة، لم يحقق العراق الفوز واكتفى بتعادل مثير لم يكن كافياً له، وحرم من خلاله اليابان من بلوغ كأس العالم للمرة الأولى».
عانى عمو بابا من الظلم الكثير، بدءاً من تجريده من رتبته العسكرية التي يعود الفضل في منحهـا اياه الى «ضابط ألعاب» القوة الجوية في الجيش العراقي ابان العهد الملكي، كاظم عبادي، والذي استدعاه من الخارج ومنح له رتبة نائب ضابط في القوة الجوية وادخله كلاعب في فريق القوة.
في حديث له يستذكر عمو بابا كيف تمت اقالته من تدريب المنتخب العراقي لأكثر من مرة، ومن بينها واحدة لم تتعلق بالنتائج أو المستوى الفني وإنما بحجة عدم حضوره احدى الدورات التدريبية المحلية التي عقدهـا الاتحاد العراقي لشرح قوانين لعبة كرة القدم!
ويقول: «الغريب أنه في كل بطولة أفوز بها مع المنتخب العراقي يأتي قرار بإبعادي وجلب مدرب أجنبي، وآخر بطولة فزت بها في (خليجي 9) عام 1988، ومن ذلك الوقت قررت عدم تدريب المنتخبات لأنهم أقالوني 19 مرة، ولذا فإنني عمدت إلى عمل قاعدة كروية في العراق».
بعد احدى المهمات الخارجية، عاد إلى الوطن ليجد أسرته وقد استعدت للهجرة إلى الولايات المتحدة، وبدلاً من مرافقتها، اختار عمو بابا البقاء في العراق رغم الحياة الصعبة ومعاناته من المرض، وخاصة مرض السكري الذي اثر على نظره وعلى اصابع قدميه معلقاً: «يطيب لي لا بل افضل العيش والموت هنـا بين اهلي وجمهوري على جنة الهجرة المقيتة اللعينة».
في مايو 2006 تم بتر أصابع قدمي عمو بابا في أحد مستشفيات الأردن بتأثير مرض السكري ويومها وجه كلمة عتب إلى المسؤولين: «أدار الجميع من مسؤولي الرياضة في بلادي ظهرهم لي بالرغم من قضائي 56 عاما في خدمة كرة القدم العراقية».
وحتى عندما تسلم معونة من رئيس الجمهورية آنذاك جلال طالباني لتغطية مصاريف علاجه، تعرض منزله الى حادثة اعتداء وسرقة من قبل مجهولين.
قضى عمو بابا السنوات الأخيرة من حياته في أكاديمته الخاصة والتي كان يشرف فيها على تدريب وصقل صغار اللاعبين.
وبعد ثلاث سنوات، توفي عمو بابا في أحد مستشفيات مدينة دهوك العراقية، ودفن حسب وصيته في ملعب الشعب الدولي بالعاصمة بغداد والذي كان شاهداً على تألقه لاعباً ومدرباً.
رحل عمو بابا وما زال اسمه حاضرا، وانجازه يُستذكر كلما أقيمت بطولة لكأس الخليج
والتي يوماً قال فيها: «كنت قادراً على منح العراق 10 ألقاب في كأس الخليج، ولكنهم كانوا يقيلوني في كل مرة».
23
هو عدد المباريات التي قاد فيها المدرب الراحل عمو بابا «أسود الرافدين» في كأس الخليج، بما فيها مباريات «خليجي 6» التي انسحب منها العراق.
واللافت أن المنتخب لم يتعرض خلال هذه المباريات سوى إلى هزيمة وحيدة أمام قطر في «خليجي 7».