الجميع في جنيف ما عدا سورية

1 يناير 1970 02:25 ص

كان الجميع موجوداً في جنيف في مرحلة الإعداد لبدء اجتماعات اللجنة الدستورية السورية، وهي اجتماعات حضّر لها مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة. يبدو واضحا أنّ غير بيدرسون يعرف في سورية والمنطقة أكثر بكثير من سلفه ستيفان دي ميستورا الذي تعاطى مع قضية في غاية التعقيد ومع شعب يسعى الى استعادة بعض من كرامته بخفة ليس بعدها خفّة.
كان الجميع موجوداً في جنيف، باستثناء سورية، أي ان كلّ المعنيين الحقيقيين بسورية كانوا هناك. على رأس هؤلاء وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الخارجية الايراني محمّد جواد ظريف ووزير الخارجية التركي مولود جاويش اوغلو. كانت اميركا حاضرة أيضا عبر جويل رايبرن احد ابرز المختصين بالشرق الاوسط في الإدارة.
الغائب الاكبر، اقلّه ظاهرا، كان إسرائيل الشريك في تحديد مستقبل سورية بعدما كرّست احتلالها للجولان في ظلّ تفهّم روسي وأميركي لمواقفها من الوجود الايراني في ما كان يسمّى رسمياً «الجمهورية العربية السورية». لعبت إسرائيل أوراقها في سورية بطريقة ذكيّة. عملت كلّ ما تستطيع من اجل المحافظة على النظام مدركة انّها ستحصل في النهاية، عبر النظام ولا احد غيره، على ما تعتبره الجائزة الكبرى، من وجهة نظرها، أي على هضبة الجولان المحتلة منذ 1967.
يكفي الاستماع الى كلمتي ممثلّي النظام والمعارضة للتأكد من وجود هوّة حقيقية بين الجانبين. كانت لدى ممثل النظام لغته الخشبية المعتادة التي لا يمكن ان يتخلّى عنها يوما. وكانت لدى ممثل المعارضة تحليلا دقيقا للوضع على الأرض مع سلسلة من التمنيات التي لم يعد لديه ما يكفي من القوّة لتحويلها الى واقع. حصل ذلك بعدما تكالبت كلّ القوى الإقليمية والدولية من اجل اجهاض ثورة الشعب السوري المستمرّة منذ ما يزيد على ثمانية أعوام، هذا الشعب الذي يصرّ النظام على انّه «إرهابي» وان حربه على المواطن العادي، انّما هي حرب على «الإرهاب».
رفض ممثل النظام في كلمة ألقاها في افتتاح اجتماعات جنيف الإقرار بأنّ ما تشهده سورية ثورة شعبية حقيقية على نظام أقلّوي لا يؤمن سوى بإلغاء الآخر. بغض النظر عن الوضع الذي آلت اليه سورية، يبقى ان في أساس كلّ ما يجري انفجار شعبي على صعيد البلد كلّه. هناك نظام انتهى وهو يرفض الاعتراف بذلك وهناك سورية مختلفة لا علاقة لها بسورية التي عرفناها. هذا ما يرفض النظام الاعتراف به أيضا.
كان المشهد سورياليا عندما تحدّث النظام عن استعادة كل ارض سورية. هل دخلت تركيا الى شمال سورية بالتواطؤ مع الروسي والأميركي من اجل ان تخرج يوما؟ قد تخرج تركيا يوما من سورية ولكن بعد خروجها من قبرص التركية التي تحتلّها منذ العام 1974!!!
ثمّة نقطتان مهمّتان من المفيد التوقف عندهما على هامش اجتماعات جنيف. النقطة الاولى مرتبطة بغياب أي شرعيّة من ايّ نوع للنظام القائم. النقطة الأخرى انّ سورية هي عمليا تحت الاحتلال وان قوى الاحتلال هي التي تقرّر مستقبل سورية بوجود دستور جديد او في غياب مثل هذا الدستور. لا يمكن لأي دستور سوري، مهما كان متقدّما وعصريا، ان يكون له أي معنى او تأثير على الارض في حال لم تكن هناك مرحلة انتقالية تؤمن الانتقال الى مرحلة جديدة لا علاقة لها من قريب او بعيد بما كانت عليه سورية منذ استقلالها في منتصف اربعينات القرن الماضي. فالنظام الذي سيطبق هذا الدستور لا يمكن ان يبقى نفسه. في النهاية، ما الفائدة من دستور يضمن كلّ الحرّيات العامة ويفصل بين السلطات في غياب رجال ومؤسسات على استعداد لتطبيقه؟
ليس النظام السوري القائم، وهو نظام عموده الفقري الاجهزة الأمنية، مؤهلا لتطبيق أي دستور، بما في ذلك الدستور المعمول به حاليا. هذا نظام ولد من رحم انقلاب عسكري لمجموعة من الضباط الموتورين، معظمهم من حزب البعث، اسقطوا النظام في الثامن من مارس – مارس من العام 1963. جاء هؤلاء الضباط الى السلطة باسم حزب البعث، بكل ما يمثّله من فكر متخلّف تغطيه شعارات الوحدة والحرّية والاشتراكية و«الامّة الواحدة ذات الرسالة الخالدة». عن ايّ رسالة يتحدّث البعث غير رسالة الانقلابات العسكرية لضباط ريفيين حاقدين على المدينة لا يؤمنون سوى بحكم الاجهزة الأمنية؟
ما لبث هذا النظام ان تحوّل تدريجيا من حكم البعث الى حكم العلويين بعد انقلاب 23 فبراير – فبراير 1966. ثمّ ما لبث ان تحوّل في أواخر 1970 الى نظام العلوي الواحد (حافظ الأسد). مع وفاة حافظ الأسد في 2000، ولد نظام العائلتين او نظام عائلتي الأسد ومخلوف الذي ما لبث ان صار في الأشهر القليلة الماضية نظام العائلة الواحدة بعد انتصر آل الاسد على آل مخلوف بالضربة القاضية نتيجة عوامل عدّة ستتولى الايّام كشف خباياها.
هل هي مسألة دستور ام مسألة من يطبّق هذا الدستور؟ المسألة ان سورية في حاجة قبل كلّ شيء الى مرحلة انتقالية تمهّد لقيام نظام جديد يمتلك حدّا ادنى من الشرعية. المؤسف ان سورية غير مؤهلة لمثل هذه المرحلة الانتقالية في ظل الاحتلالات الخمسة التي تعيش في ظلّها.
اذا وضعنا جانباً تسليم اميركا شؤون سورية لروسيا ولكن مع الإصرار على البقاء في مناطق معيّنة، بما في ذلك مناطق آبار النفط والغاز، هل في الإمكان إيجاد تفاهم بين الاحتلالات الأربعة الأخرى، أي بين روسيا وايران وتركيا وإسرائيل؟
هذا هو السؤال الذي سيطرح نفسه مستقبلا وليس هل سيكون لسورية دستور جديد. أي سورية ستبصر النور من تفاهم روسيا وايران وتركيا وإسرائيل؟ يضاف الى هذا السؤال هل سيبقى الاميركي مستسلما للروسي في سورية في ظلّ تفاهم في العمق بين انقرة وموسكو؟
هناك بالطبع مسألة ستطرح نفسها عاجلا ام آجلا. هذه المسألة مرتبطة بالضمانات التي تحتاج اليها إسرائيل بسبب الوجود الايراني في سورية ولبنان. سيبرز هنا مجددا الدور الروسي في التنسيق بين ايران وإسرائيل برعاية أميركية لم تعد تخفى على احد.
بكلام أوضح، لن تعني اجتماعات جنيف الكثير حتّى لو نجحت في بلورة دستور سوري جديد. ما سيعني شيئا هو حصول تفاهم روسي- إيراني – تركي – إسرائيلي. في غياب مثل هذا التفاهم لا وجود لاي ضوء في نهاية النفق السوري وستظل سورية الغائب الأكبر عن اجتماعات جنيف. حضر الجميع الى المدينة السويسرية ولم تحضر سورية...