خواطر صعلوك

ليس بمناسبة يوم المعلم!

1 يناير 1970 09:43 م

أيتها المعلمة... أيها المعلم... صباح الخير.
بالتأكيد أنت لست في حاجة إلى أن أذكرك أن مهنتك هي مهنة الأنبياء، وأنك مربي أجيال براتب كامل وثلاث علاوات، وأنا كذلك لست في حاجة لأن تذكرني أن بعض المعلمين والمعلمات يمارسون مهنة الأنبياء تحت حكم قريش في العهد المكي، والذي يبدأ من رئيس القسم وحتى دار الندوة في الإدارات المختلفة، انتهاء بمنهج الكفايات والبنك الدولي، مرورا بشكاوى تقدم وملفات تحفظ أو تضيع ويضيع معها الحقوق.
لسنا في حاجة إلى أن نذكر بعضنا، لأن ذلك من ماهو معلوم في وزارة التربية بالضرورة، فدعك ودعني من ذلك، والله عليم شكور، وهو يجزي الصابرين بغير حساب.
ولكن تعال نقارب ونحاذي نحو نهر آخر أكثر اتساعاً،لا تعطي الطلاب فيه السمكة وتعلمهم الصيد فقط، ولكن أيضاً تشاركهم وتعمل معهم على تحرير المصب لكي لا يجف النهر.
وإذا قلت لي لماذا يجب أن أقارب وأحاذي معك نحو المصبات؟
سأقول لك... لا أدري، وأتهرب بالسؤال بسؤال!
من هو المعلم المجنون؟
الذي إذا سأله طلابه سؤالاً لا يعلم إجابته، لا يردد ما يقوله الغالبية: «أعلم... ولكن أريدك أن تحل السؤال في الواجب»، ولكنه يقول: «يا له من سؤال»، فيحدثهم عن عالم السؤال وكيف أنه فتح للأفق وتوسيع للمساحات ووعي للسائل وبناء لما عند المسؤول.
هل تستطيع أن تصبح معلماً مجنوناً تختبئ كطفل مع طلابك خلف كواليس المسرح، لكي تشاركم فرحتهم وتمثيلهم وهم يقدمون عرضاً مسرحياً يبحثون فيه عن مفاجأة لأولياء أمورهم يقولون لهم فيها: (هذه هي إمكانياتنا تتفجر أمامكم... لا تقلقوا علينا... نحبكم).
ذلك المعلم المجنون الذي يعتقد أن كل من حوله من طلاب هم أبناؤه، ليس لأنه مغفل أو غافل عن حقيقة أنه موظف وليس مربياً، ولكن لأنه يعلم أن المقام الذي سخره الله فيه لأبناء غيره، يسخر الله لأبنائه ذات المقام.
المعلم المجنون هو ذلك الذي يدخل الفصل الدراسي وهو يردد: «ماذا سأتعلم اليوم؟» ويتكلم طلابه في حصته أكثر منه، ولا يدخل في مونولوغ منفرد، ويشجع طلابه على التفكير الناقد ويدخلهم في دائرة من الآراء ويعصف بأذهانهم ويضغط على أفهامهم ويبني على خبراتهم السابقة، يفعل كل ذلك وهو يعلم أن الجالس على الطاولة أكثر أهمية من الواقف عند السبورة... هذا معلم مجنون بالتأكيد!
هو الذي لا يكاد ينتهي من مشروع جماعي حتى يدخل في آخر، ما بين أعمال تطوعية وإعادة تقديم المنهج المدرسي خارج أسوار الفصل، وما بين توفير مساحات اقتصادية للطلاب وتفجير وظائفهم المستقبلية الآن، وتعزيز قدرتهم على التحكم في مجالهم الحيوي في مستواه الأدنى والمتمثل في مرافق المدرسة كلها، المعلم المجنون هو الذي يعتقد أن المستقبل... الآن، وليس غداً.
هو الذي يرى في مشاكل المدارس حلولاً تعليمية، فكثرة عدد الطلاب في الفصل الدراسي تعني مساحة تشاركية أكبر، ويرى في المنهج السيئ منهجاً إثرائياً مصاحباً من صنع طلابه، هو الذي يرى في قصور أدوات التقييم والتقويم فرصة لصنع أدوات خاصة به وبطلابه، يراعي فيها السياق والمحيط والإمكانيات وما يرغب في الوصول إليه معهم، بعيداً عن هراء البنك الدولي وما دون ذلك أو أكثر.
هو الذي لا يرى في الحالات الخاصة لبعض الطلاب حالات عبور للنجاح بلا جهد، ولكنه يرى فيهم فرصة لتقديم ما يقدمه كمعلم بطريقة أخرى وجديدة، وفرصة لأن يكتشف إلى أي مدى هو معلم عاقل أو مجنون.
المعلم المجنون هو الذي يرى في مشاكل التعليم فرصاً تعليمية يستثمرها طلابه، وفي الأماكن الأكثر خمولاً مساحات للعمل... هو الذي يعلم أن واقع التعليم ليس كما في إنستغرام المدارس، إنه المتفجر إبداعاً ودهشة في بيئات عمل لا تشجع، ورغم ذلك فهو لا يفقد زمام المبادرة أو القدرة على صنع البدائل.
هذا المعلم المجنون إذا اجتمع عليه الكهنة، فلا بد أن يهدر دمه بحبر جيد جداً في التقرير السنوي الذي بيد الوزارة... ورغم ذلك يبحث عن الامتداد والأثر.إلى هذا المعلم وهذه المعلمة بالتحديد أقول:
جزاكم الله خيراً عن عملكم مع أبنائنا خير الجزاء في الدنيا والآخرة.
قصة قصيرة:
شكراً أبلة سحر وأبلة شروق على ما تقدمانه.

@moh1alatwan