خواطر صعلوك

إليها... شكراً على «اللاتيه»!

1 يناير 1970 04:49 ص

سألتِ يا صديقتي عن «الكتابة» وسألتِ أيضا عن «الأدب»، وفي الصباح أرسلتِ رسالة طويلة فهمت منها أنك تريدين أن تعرفي أيضا الفرق بين الروائي وبين الكاتب.
ولا أدري بماذا أجيب، فمن الدار البيضاء مروراً بدور النشر والتوزيع قي القاهرة والصالونات الثقافية للشباب في الكويت وحتى المقاهي الثقافية في سلطنة عمان، لا يمكن أن نجد إجابة واحدة تحيط بالكتابة والأدب والروائي والكاتب، وربما مما يزيد الأمر تعقيداً أنك تسألين رجلاً لم يولد بمهارات الكتابة أو يعززها من خلال الورش والدورات الكتابية، بل رجل ظهرت ميوله الكتابية في المطبخ أثناء غسيل المواعين وليس من المكتبة أثناء القراءة!
ولكني دعيني أخبرك ما تعلمته وقرأته:
ما تعلمته أن المطلوب من الكاتب أن يفكر في بناء الجسور أثناء السقوط، وفي زراعة الغابة أثناء الحريق، وفي عام يغاث فيه الناس وقت المجاعة، الكتابة التي تنظر في إمكانية الأشياء والأشخاص، الكتابة التي تقفز على الظنون وتهدم الجدران وتهرول هروباً من صنمية الأشياء، لذلك فهي كتابة لا تسعى إلى إطلاق أحكام بقدر ما تبادر إلى خلق بدائل.
هذا ما تعلمته من الأساتذة المتربصين بالمعنى والباحثين عن الأفق.
ودعيني أضرب لك مثالاً واضحاً لذلك الشكل من الكتابة، الذي يسعى إلى خلق البدائل ويعود بالأشياء إلى أصلها.
تقول إحدى الأساطير الأفريقية في مملكة اليوروبا إن عجوزاً مسناً ومريضاً على وشك الموت، جمع أبناءه الثلاثة وقال لهم:
- أشيائي العزيزة ستكون لمن يستطيع أن يملأ هذه الحجرة بالكامل.
ثم خرج من الغرفة وجلس في الخارج بينما الليل يخيم.
أحد الأبناء أحضر كل ما استطاع جمعه من القش، ولكن لم يمتلئ سوى نصف الحجرة، الثاني جاء بكل ما استطاع جمعه من الرمل، ولكن أيضا ظلت نصف الحجرة فارغة، أما الابن الثالث فقد أشعل شمعة... فامتلأت الحجرة. انتهى.
ولكن ينبغي التنبيه إلى أن هذا النوع من الكتابة تصبح صعبة جداً وأنت غارقة في تفاصيل من الحكايات التي تقصدينها وتقصدك... والمشكلة ليست في أن رياح الحكايات حولك تعصف، ولكن في ما تعصفه وتخلعه رياح الحكايات من اليقينيات حولك.
ودعيني أضرب لك مثالاً غير واضح لما أقصده برياح الحكايات.
يقول أفلاطون في إحدى محاوراته: «في جدال حول الغداء يدور بين جمهور من الأطفال، فإن الحلواني كفيل بأن يهزم الطبيب، وفي جدال أمام جمهور من الكبار، فإن سياسيا تسلح بالقدرة على الخطابية وحيل الإقناع كفيل بأن يهزم أي مهندس أو عسكري حتى لو كان موضوع الجدل هو من تخصص هذين الأخيرين، وليكن تشييد الحصون أو الثغور. إن دغدغة عواطف الجمهور ورغباته لأشد إقناعاً من أي احتكام إلى العقل».
ترى ما الحكايات التي جعلت أفلاطون يقول ذلك؟ وما الذي جعلني أستشهد بذلك على أثر الحكايات؟
أما الأدب فهو ما تحمله اللغة من انحياز الكاتب للمراحل والتحولات التي مر بها، بدءا من التحولات الكبرى الأكاديمية أو الاقتصادية أو الاجتماعية في حياته والمتغيرات حسب مراحله العمرية، ومروره بين مناطق الأمان والخوف والتعلم والنمو وانتهاء بأبعاده التي تحيط بكل ذلك من اكتشاف الذات والوعي بها، وبمحيطها الاجتماعي حتى لحظة اتخاذ القرار واختيار الكلمة، التي تعبر عن انحيازه وموضوعيته في الوقت ذاته.
لا خيار للأدب إلا أن يكون منحازاً، سواء للفرد أو للمجتمع وسواء للمثالية أو الواقعية، لما هو كائن أو لما يمكن أن يكون منحازاً للكلمة والمعنى والمعرفة والخيال.
وكما ينحاز الأدب لليقين، ينحاز أيضا للوهم.
لغتك تلفت الانتباه إلى ذاتها عندما تفجر المعاني في مواقع لا تخطر على بال كاتبها ولا بال قارئها.
تحويل الكلام الاعتيادي إلى إيقاع ملفت لذاته، والإبهار باللغة هي صنعة الكاتب مستخدما فيها أدوات الصوت والمخيلة والإيقاع والنحو والعروض والقافية والتقنيات السردية.
يقدم الأدب رؤية للعالم، رغم اختزاليتها إلا أنها تشير إلى مجمل المعتقدات التي لا تكذب ولكنها لا تقول الحقيقة كاملة.
تماما مثل هذا المقال الذي لم يكذب، ولكنه أيضاً لم يخبر القارئ الحقيقة كاملة.

@moh1alatwan