خواطر صعلوك

معضلة الأخ الأكبر... ثرثرة نفسية!

1 يناير 1970 06:46 ص

عندما دخلت المقهى كان الرجل الذي بجانبي نائماً وهو ممسك بهاتفه المستيقظ على مصراعيه، حاولت أن أنبهه ولكنني بدلاً من ذلك طلبت من المرأة التي تعمل هناك كوبا من الشاي ثم انتظرت يومين كاملين ولم يصلني الطلب، بالتأكيد الحياة هنا ليست سهلة، فنحن غالباً لا نشاهد امرأة حاملا في شهرها الثامن تعمل في مقهى للشيشة وتقدم الشاي للزبائن العابرين.
وبعد مرور ثلاثة أيام وأنا أنتظر الشاي، وضعت المرأة مولودها، ثم انطلقت إلى المسجد الذي في آخر الشارع وتركت جنينها، ثم عادت ووضعت الشاي على طاولتي، وهي تزدري كل ما حولها، أنا والجنين الذي هناك وأبوه أيضاً!
وقبل أن أشرب هذه اللطخة الشعورية الشنيعة والقاسية التي وضعت أمامي في صورة شاي، فكرت في ألّا أقول لهذه المرأة الحقيقة بأن العالم عندما يكون أكثر انفتاحاً يكون أكثر جنوناً... فضلت أن أصمت، فهي تبدو غاضبة جداً وسيكون من الحكمة عدم الدخول معها في مناقشة.
انظر عزيزي القارئ كيف صورت لك الرجل النائم وكيف صورت لك هذه المرأة... وكأنها خرجت من الجحيم للتو... وهذا ما يحدث معنا تماماً عندما تتشكل ذواتنا عبر توقعات الآخرين عنا، أو عندما نعتقد حقاً أن تصور الآخرين عنا هو ذاته تصورنا عن أنفسنا.
لا شك أن توقعات الآخرين مهمة جداً، والتي لولاها لما استمر سمك السردين في جعل المحيط مكاناً صالحاً للعيش فيه، ففي النهاية لا يمكننا أن نضرب توقعات آبائنا وأمهاتنا وزوجاتنا وأبنائنا وجيراننا وأصدقائنا عرض الحائط، لأننا أيضاً نتوقع منهم ما يشكل ذواتهم.
استيقظ الرجل الذي بجانبي في المقهى ثم نظر في هاتفه وقال لي مستغرباً: يا لك من زبون... أنت هنا منذ ثلاثة أيام! أليس لديك ما تفعله في هذا الزحام؟
قلت له: صباح الخير يا سيدي..ماذا تتوقع مني أن أفعل في هذا الزحام؟
أشاح بوجه ثم قال: لا شيء!
تسمر وجهانا نحن الاثنين نحو شاشة التلفاز المعلق بغير إتقان على عمود دائري يفترض فيه أن يحمل المبنى وليس التلفاز، وبدا الضيف الظاهر على الشاشة أكثر اعوجاجاً من التلفاز نفسه، ولكن كلامه بدى منطقياً جداً...
كان الضيف يتحدث عن معضلة الأخ الأكبر، وذاته التي تتشكل عبر توقعات والديه وأخوته منه، وكيف أنه في زحام التوقعات تتلاشى ذاته حتى يتمنى النوم في مقهى لمدة ثلاثة أيام.
نظرت إلى الرجل الجالس بجانبي وقلت له هل تعرف هذا الرجل؟ يبدو أنه يتحدث عنك!
أكمل الضيف الذي في التلفاز حديثه عن الأخ الأكبر، المصاب بتوقعات الآخرين منه، حيث أشار إلى أن هوارد جاردنر صاحب نظرية الذكاءات المتعددة شائعة الصيت، قد لاحظ أن تأخر ترتيب الفرد من حيث الولادة في الأسرة ونظام الأسرة يشجع على قلة التوقعات التي تسمح ببيئة إبداعية لهذا المولود الثالث أو الرابع، مقارنة بالمولود الأول، أي الأخ الأكبر.
يصبح قدر الأخ الأكبر مليء بالتوقعات من العائلة، فيجب عليه أن يكون الأكثر خُلقاً وأدباً من إخوته الآخرين، لأنه الطفل الأول الذي أصبح بارعاً من خلال أخطائه التي سمحت له أن يتعلم أن تلبية توقعات الآخرين، هو الشيء الذي سيثاب عليه حتى لو كانت هي ذاتها تناقض توقعاته أو رغباته.
فهو الأكثر حكمة بفضل الخبرات التي خاضها قبل إخوته الصغار، ومن المتوقع أن يتبعه إخوته الصغار في سلوكه، ويتوقع منه أن يتولى زمام الأمور في حالة غياب الوالدين، ويتوقع أن يلقى عليه باللوم إذا لم يلبِ توقعات إخوته الأصغر منه إذا تعرضوا للأذى.
يعيش الأخ الأكبر حياته وهو مثقل بتوقعات من حوله، ورغم الملاحظة الذكية التي تقول إن ذواتنا تتشكل عبر تصور وتوقع الآخرين منا، إلا أن الحقيقة أنها تتشكل عبر تلاشيها وليس تشكلها، في لحظة ما على الأخ الأكبر أن يهرب، أو ينام في المقهى لمدة ثلاثة أيام .
نظرت إلى الرجل الجالس بجانبي وقلت له هل تعرف هذا الرجل الذي في التلفاز؟ أقسم لك بالله أنه يقصدك!
كان الرجل يغط في نوم عميق وكأن الأمر لا يعنيه، دفعت ثمن إقامتي في المقهى ثلاث ليالٍ وودعت المرأة وقد بدت بطنها أكثر انتفاخا من قبل، قالت لي: لعله يقصدك أنت، قلت: ربما!

@moh1alatwan