خواطر صعلوك

الفعل الاجتماعي الرقمي!

1 يناير 1970 08:32 ص

أحاول في هذا المقال أن أقول شيئاً من دون اتهام شخص بعينه، سأتكلم فقط عن الفعل الاجتماعي الرقمي، في «سناب شات» و»تويتر» و»الإنستغرام» وغيرها.
يصور أفراد المجتمع مقاطع فيديو مدتها تترواح بين الدقيقة وبين الساعات، ويتابعها أفراد آخرون ويتفاعلون معها بالسلب والإيجاب والمحاكاة والنقد.
وتشكل هذه المقاطع مصدر المعرفة الأول وتشكل القيم لجيل الألفية وفق الدراسات والأبحاث الإحصائية.
ويلعب الأفراد في هذه المقاطع أدواراً مختلفة، ولكن في نهاية اليوم تلعب هذه المقاطع مجتمعة دوراً واحداً... وهو إعادة رسم المشهد الثقافي والهوية الوطنية والحس العام المشترك، كونها ألغت الحد الفاصل بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، وبين الخاص والعام كمفهومين سياقيين.
وقد انتشرت في الآونة الأخيرة طريقة لتحقيق الشهرة الرقمية لا بد من تأمل أضرارها.
مقطع تظهر فيه فتاة وهي تتحدث عن حادثة حصلت معها... ثم يتم اجتزاء المقطع بحيث تظهر الفتاة بصورة وكأنها تحث على الرذيلة والفساد في الأرض، وتقوم حسابات رقمية متخصصة بنشر هذه المقاطع إما بموافقة صاحبة المقطع وإما من دون علمها، فيختلط الحابل بالنابل ويوضع الشريف موضع الوضيع.
يُجتزأ مشهد لشاب يظهر وهو يضرب أمه، ثم ينتشر المقطع وتكتشف أنه مشهد تمثيلي أراد صاحبه معرفة ردود أفعال الناس على ذلك.
شخص انطفأ وهجه وشهرته فيصور مقطعاً مثيراً للجدل أو ربما للشهوات، وحسابات متخصصة في اقتطاع لقاءات تلفزيونية لأناس لا يخطر على بالهم أن هناك من يترصدهم بهذا الشكل، الذي يريد فيه صاحب الحساب أن يجتزئ كلام الضيف ويضعه في فيديو من أجل السخرية والضحك ومزيد من المتابعين.
لا يستطيع المجتمع الحر العيش طويلاً مع انتشار السخرية، التي تفترض أن أقوال الشخص وأفعاله دائماً ما تخفي وراءها شكلاً من أشكال البلاهة والغباء.
لقد أصبح الاجتزاء ثقافة إعلامية نابعة من قيم لا بد من مناقشتها، لأنها تتحول إلى سلوك بيننا.
والسلوك يصبح فعلاً اجتماعياً عندما يوجه نحو آخرين، ولا يمكننا اعتبار هذا النوع من السلوك تعدداً ثقافياً لأنه في الواقع يفرغ ويستنزف ثقافة المؤسسات والتعليم والسياسة، وحتى العائلات وشرعيتها الأخلاقية وتمنعهم من القيام بما ينبغي أن يقوموا به.
لم يعد بوسع أحد اليوم أن يفصل «السوشل ميديا» عن واقعنا، ولكن هل ما زال بوسعنا التحكم في مسارات التداخل، ليس من الناحية السياسية فقط، ولكن أيضاً من الناحية الاجتماعية؟
عندما أتوجه إليكم بمقطع مجتزأ قد يمثل جريمة في حق التنشئة الاجتماعية وكل فروع علم الاجتماع، ولكنني في الوقت نفسه بريء منها، كيف يمكننا ضبط هذا المسار؟
كيف تؤثر هذه الظاهرة في تشكيل قيمنا؟
كيف يتلقى المراهقون والأطفال هذه المقاطع، وكيف تؤثر وتشكل شخصياتهم، خصوصاً عندما يفوتهم أنها طريقة سريعة للشهرة فقط؟
كيف تتم عملية التشرب أو الاستدماج والإحساس بالقيم في تصورهم عن ذواتهم، في عالم تفاعلي يشكل فيه الآخر الأنا؟
إنها ارتكاب الجريمة وصك البراءة في الوقت نفسه، حيث يقوم صاحب الحساب بعملية تفجير اجتماعي، ولكنه يخرج سالماً بمزيد من المتابعين، وهنا تكمن الفظاعة حيث الإقدام على أقذر الأفعال وأرذلها، من دون أن يكون الفاعل شخصاً وغداً على الإطلاق!
لا أدري ما إذا كان الأمر يستحق التأمل أو حتى إيجاد مساحات رقمية بديلة، أم أنها مجرد خاطرة عابرة في زمن لم نعد فيه نتوقف قليلاً لنلتقط أنفاسنا، لأنه وفي إحدى حفلات الشواء عندما كان الشيطان يتضور جوعاً، أخبر جميع من في الحفل أن الجمال يكمن في التصوير وليس المشاركة، فترك الجميع الطعام وأصبحوا يلهثون، ومن أحد الأسباب الذكية التي تجعلنا لا نلتقط أنفاسنا أن الصورة تختفي بعد 24 ساعة، و»التايم لاين» لا ينتظر أحدأ.

@moh1alatwan