كتبت الـ «غارديان»: «يمكن لميلان أن يدَّعي إلى حدٍّ ما بأنه علم الإنكليز شيئاً أو اثنين عن تكتيكات كرة القدم»
عن الحنين إلى الماضي... الأمكنة والأزمنة... الأحداث والوجوه
يسترجعها: صادق الشايع
في الثالث عشر من يناير 2012، ودّع مدرب كرة القدم، الصربي ميلان ميلانيتش، الحياة، عن عمر يناهز 81 عاماً.
غداة رحيل المدرب الكبير، ورئيس الاتحاد الصربي لسنوات، أوردت صحيفة الـ»غارديان» البريطانية تقريراً تناولت فيه المسيرة الطويلة لميلان، بطريقة تخلّت فيها عن «الاعتزاز الانكليزي المعروف بريادة كرة القدم بعناصرها كافة».
الـ»غارديان» أشارت الى أن ميلانيتش ساهم - بطريقة غير مباشرة - في تغيير طريقة اللعب في الكرة الانكليزية خلال عقد السبعينات من القرن الماضي والذي جنت ثماره بهيمنة أنديتها على ألقاب البطولات الأوربية حتى تم اقصاؤها من المشاركة فيها عقب حادثة استاد هيسيل الشهيرة في مايو 1985.
كتبت الـ»غارديان»: «يمكن لميلان ان يدعي إلى حد ما بأنه قد علم الإنكليز شيئا أو اثنين عن تكتيكات كرة القدم».
وعادت الصحيفة بالذاكرة الى خريف العام 1973 عندما تمكن ريد ستار بلغراد (اليوغسلافي آنذاك) بقيادة ميلانيتش من الاطاحة بليفربول الانكليزي من منافسات كأس الأندية الأوربية البطلة بتغلبه عليه بنتيجة 2-1 ذهاباً وإياباً.
ورأت الصحيفة البريطانية أن هزيمة ليفربول أدت إلى «إعادة التفكير الذي كان له تداعيات كبيرة مما أسهم لاحقاً في الهيمنة الإنكليزية على المنافسات الأوروبية حتى الحظر الذي تلى كارثة هيسل بعد 12 عاماً».
وكشفت الـ»غارديان» أن أسطورة التدريب في ليفربول، بيل شانكلي، عقد اجتماعاً في مكتبه الشهير في النادي مع عدد من مستشاريه وتوصل إلى استنتاج مفاده أن سياسة الكرة الطويلة في ليفربول لن تكفي، وأنه يتعين انتهاج سياسة جديدة تعتمد على الصبر وتتميز ببطء التقدم وتمريرات أقصر.
وأكدت على أن هذا التحول في أسلوب الفريق، والذي قاده شانكلي، خول ليفربول الهيمنة في أوروبا، على الرغم من أن خليفة شانكلي، بوب بيزلي، هو من جنى ثمار التغيير التكتيكي.
ولد ميلانيتش في بيتولا، وهي الآن جزء من مقدونيا، على الرغم من أن عائلته تنحدر من نيكسيك، في الجبل الأسود.
بدأ مع ريد ستار لاعباً في خط الدفاع وبعد فترة قصيرة انتقل الى حقل التدريب، وتولى منصب المدير الفني للفريق في العام 1966، فحقق معه لقب الدوري اليوغسلافي 4 مرات والكأس المحلية 3 مرات، قبل أن يتنقل لتدريب المنتخب الوطني ويقوده في مونديال ألمانيا 1974.
ساهم عمله مع النادي والمنتخب، في لفت انظار مسؤولي ريال مدريد الاسباني اليه، فتم استقطابه ليقود الفريق الملكي الذي أقال المدرب الشهير فيكتور مونوز بعد الهزيمة الثقيلة من برشلونة في «الكلاسيكو» بخماسية في الموسم السابق.
وخلال فترة الاعداد مع الفريق تمكن من اقناع رئيس النادي، سانتياغو برنابيو باستقطاب مواطنه سريتشو راديزيتش اختصاصياً للياقة البدنية وهو ما لم يكن معروفاً في اسبانيا في تلك الحقبة، كما ادخل العديد من التغييرات المبتكرة في أساليب التدريب في الريال، وأظهر اهتماماً كبيراً بالإعداد البدني والتكتيكي، وزيادة عدد الجرعات التدريبية اليومية من واحد إلى ثلاثة، ما تسبب في البداية في حالة من الاستياء بين اللاعبين، كما كان حريصاً على منع اللاعب من لمس الكرة اكثر من مرتين قبل تمريرها الى زميل.
وعلى الرغم من الانتقادات التي وجهت الى أسلوب لعب الفريق «غير الجذاب»، نجح ميلان في تحقيق لقب الدوري الاسباني مرتين متتاليتين.
في موسمه الأول، اضطر ميلانيتش الى الاعتذار عن مرافقة الفريق في رحلته الى بلغراد لمواجهة فريقه السابق ريد ستار ضمن منافسات الدور ربع النهائي للبطولة الأوربية، قائلاً: «لا أستطيع أن أخون قلبي»، وبعد ان تبادل الفريقان الفوز ذهاباً واياباً بهدفين نظيفين، تأهل الفريق اليوغسلافي بركلات الترجيح في غياب مدرب الريال الذي وجه الدعوة للصحافيين لمشاهدة لقاء الاياب معه عبر شاشة التلفزيون في مدريد!
وبعد انتهاء موسم 1976-1977 من ألقاب، بدأ ميلانيتش موسمه الرابع مع ريال مدريد في سبتمبر 1977 غير أن خسارته في المباراة الافتتاحية للدوري أمام سالامنقة 1-2، عجّلت بتقديمه استقالته.
عاد ميلانيتش ليلبي نداء الوطن ويقود منتخب يوغسلافيا في الفترة ما بين عامي 1979-1982 حيث عبر معه الى نهائيات كأس العالم 1982 في أسبانيا من دون ان يتمكن من تجاوز الدور الأول بعد تخلفه عن أصحاب الأرض بفارق الأهداف المسجلة فقط.
بعد المونديال، بقي ميلانيتش في اسبانيا، ولكن مدرباً لفالنسيا في الموسم 1982-1983 غير ان تراجع «الخفافيش» الى المركز الـ17 في الدوري عجل بإقالته من تدريب الفريق.
آخر المحطات التدريبية لميلانيتش كانت في الكويت، حيث درب القادسية لموسمين، ورغم انه لم يحقق مع «الأصفر» أي ألقاب محلية، إلا أنه ترك بصمة واضحة على أداء الفريق الذي كان يمر بمرحلة انتقالية بعد اعتزال أغلب نجوم عصره الذهبي، جاسم يعقوب وحمد بوحمد وفاروق ابراهيم وعبدالله العصفور.
عرف عن المدرب الراحل شغفه بالجانب المعلوماتي بحثاً وتوثيقاً، وعكف على تأليف العديد من الكتب التي استخدمت كمراجع ومناهج في مختلف مدارس الكرة بالعالم، كما ظهر تأثيره على عدد من الأسماء التي لمعت لاحقاً في عالم التدريب مثل سيرو بلازيفيتش، ايفيكا أوسيم، تودور فازلينوفيتش.
في العام 2001، وفي سن الـ71، تخلى ميلانيتش عن رئاسة الاتحاد الصربي لكرة القدم بعد ان شغلها قرابة 10 أعوام، وفي العام التالي، نال وسام الاستحقاق الأعلى من الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» نظير مساهماته في تطوير اللعبة.
بديح: «مُبتكر»... سبَقَ عصره
يرى لاعب القادسية السابق راشد بديح بأن المدرب اليوغوسلافي ميلان ميلانيتش «أحد أفضل المدربين الذين مرّوا على الكرة الكويتية، خاصة في عقد الثمانينات من القرن الماضي».
ووصف بديح المدرب الراحل بـ«صاحب الشخصية القوية والمحبوبة في ذات الوقت»، حيث كان يحتفظ بعلاقات قوية مع لاعبي الفريق الذين تدربوا تحت اشرافه كافة.
واستعاد اللاعب الدولي السابق الذي شغل مراكز عدة في «الأصفر» في الدفاع والوسط والهجوم، موقفاً لميلان مع النجم الكبير فيصل الدخيل الذي كان متردداً في المغادرة مع الفريق الى المعسكر الخارجي قبل انطلاق الموسم الأول للمدرب بسبب ظروف خاصة، فما كان منه إلا أن خاطب الدخيل بالقول: «إن لم ترافقنا الى المعسكر فلن تكون معنا هذا الموسم!».
وأردف بديح: «كان ميلان يعرف قيمة الدخيل وتأثيره في الفريق، ولكنه أراد أن يؤسس مبدأ للتعامل مع الجميع بمسطرة واحدة».
وقال: «يعتبر تعاقد ادارة النادي التي كان يترأسها خالد الحمد، مع ميلانيتش، حدثاً لافتاً في مطلع الثمانينات، فالمدرب الكبير كان يحمل سيرة ذاتية فخمة، بل وكان يعد من أحد أفضل المدربين على مستوى العالم في تلك الحقبة».
وأضاف: «بالنسبة لنا كلاعبين، أسعدتنا خطوة الإدارة، خاصة بعد أن علمنا بأن ميلان يتقاضى راتباً كبيراً قيل بأنه وصل الى 140 ألف دينار كويتي في العام وهو ما يعادل ميزانية النادي بأكمله في تلك الايام».
وأكد بديح ان ميلانيتش «سبق عصره» وأنه أول من طبق طريقة 3-5-2 في الملاعب الكويتية، بالاضافة الى تأسيسه فريقاً شاباً وواعداً جنى ثماره المدرب الانكليزي بوبي كامبل الذي خلفه بعد رحيله عن النادي.
وبعد سنوات من التراجع على صعيد النتائج، شهد الموسم 1985-1986 بقيادة كامبل،عودة القادسية كمنافس قوي على الالقاب، فاحتل المركز الثاني في الدوري بعد كاظمة البطل، علماً بأنه الفريق الوحيد الذي لم يتمكن «البرتقالي» من التغلب عليه في تلك النسخة من المسابقة، كما بلغ الدور نصف النهائي لكأس الأمير.
وخلص بديح الى القول: «راتب ميلانيتش المرتفع أرهق ميزانية النادي وأجبر مسؤوليه على عدم تجديد التعاقد معه لموسم ثالث ليرحل ولكن بعد أن ترك أثراً وتأثيراً كبيرين علينا كلاعبين».