مشاهد / سوزان طه حسين

1 يناير 1970 11:39 ص
| يوسف القعيد |
لا يمكن أن أنسى اليوم الذي جلست فيه لسوزان طه حسين أحاورها، وكان ذلك بعد رحيل عميد الأدب العربي بعامين، وبالمناسبة فقد رحل طه حسين عن عالمنا يوم 28 أكتوبر سنة 1973، ويومها كتب له توفيق الحكيم رثاء نادرا في الصفحة الأولى من جريدة الأهرام. يقول له إننا بعد أن عبرنا الهزيمة واطمأنت روحه لحالة مصر، قرر الرحيل هانئا مطمئنا. كانت حرب السادس من أكتوبر قد بدأت ومضى عليها 22 يوما، ولذلك أتى وداعه في أجواء شديدة الندرة، وكان قد أوصى أن تخرج جنازته من جامعة القاهرة، وكانت جنازة مهيبة، وتمت الصلاة عليه في مسجد صلاح الدين بالمنيل، وقد رأيت من بين حملة الأوسمة شابا صغير السن، ربما كان الدكتور جابر عصفور، الذي لم يكن دكتورا في ذلك الوقت، وكلما رأيت جابر فكرت أن أسأله حول هذه الواقعة، لكن اللقاء يمضي ولا أسأله، ويظل السؤال من مؤجلات العمر وما أكثرها.
كان الاكتشاف الأول المذهل في لقائي مع سوزان طه حسين أن رفيقة عمر العميد لا تتكلم العربية، سألتها بالعربية وترجم الدكتور محمد حسن الزيات، زوج ابنتها أمينة، الأسئلة إلى الفرنسية وأجابته بالفرنسية... وترجم هو الفرنسية إلى العربية وقالها لي... كان مترجما فوريا من الطراز الأول، وهذا طبيعي، فالرجل قادم من العمل الديبلوماسي الذي أخذه لمنصب وزير خارجية مصر، وأذكر أنني عندما ذهبت لمقابلته من أجل تحديد هذا الموعد، كان في مكتب فاخر وفخم في قصر عابدين، ذي الطرقات الواسعة، والسجاد السميك الذي تغوص فيه القدم فلا تراها، والسقف العالي والجدران المغطاة بلوحات شديدة الندرة، أما البيت أو الفيللا التي قابلتها فيها، فقد كانت في المعادي، معادي منتصف سبعينات القرن الماضي، غير معادي اليوم، وعندما أتردد على المعادي الآن، لا أستطيع تحديد المكان الذي كانت فيه هذه الفيللا، يبقى في ذاكرتي أن لون بنائها كان أحمر طوبياً، وكانت هناك حديقة جميلة جلسنا فيها، وكانت رابعتنا في الجلسة أمينة طه حسين، ابنة طه حسين.
يومها لم يكن ممكنا أن أنحى جانب عنصر السبق الصحافي، فقد كان أول حديث لزوجة الدكتور طه حسين للصحافة المصرية والعربية، ومن حقها أن أقول انها رفضت أن تتحدث أكثر من مرة، كانت لديها حالة من التردد والرهبة، وهذا من الأمور الطبيعية، فالسيدة قادمة من حضارة أخرى، هي الحضارة الغربية في تجلياتها الفرنسية.
ربما نظرت للكلام عنه الصحافة بعد رحيله، على أنه أمر لا يجوز، أيضا يبقى في الذاكرة جلوسي أمام جلال الحزن الذي قرأته في عينيها، والحب الكامن لذلك العزيز العظيم كما لمسته بنفسي في الأحرف والكلمات والجمل، الآن وبعد أكثر من ثلاثين عاما على هذا اللقاء، عندما أحاول استعادته أبدأ بما قاله هو عنها، لنثبت هنا جملة صغيرة يقولها طه حسين في آخر صفحات كتابه الأيام، محدثا ابنته أمينة، والحديث عن زوجته: «لقد حنا يا ابنتي هذا الملك على أبيك فبدله من البؤس نعيما ومن اليأس أملا، ومن الفقر غنى ومن الشقاء سعادة وصفوا».
لأصف الآن كيف تم لقـــائي بها في الحـــديقة الخـــلفـــية لفيللا الدكتور محمد حسن الزيات بالمعادي، جلسنا نحن الأربعة، تتوسطنا هي بملابسها السوداء وعلى يمينها ابنتها أمينة وعلى يسارها الدكتور محمد حسن الزيات، الأسئلة مني إليه والإجـــابـــات عن الدكـــتور الزيات مضيفا إليها علاوة على ترجمة الأسئلة والإجابة معا نكهته الخاصة، وروحه في الحديث والذكاء في الفهم، الآن وأنا أدون من ذكرياتي عن هذا اللقاء أبدأ به هو إذاً، الحاضر الغائب، طه حسين، آخر فراعنة فكر مصر الحديثة، الرجل الذي تعرفه قطرات الدم ودقات القلب تعلمت وأهلي لا يملكون شيئا لأنه قال ذات يوم ان التعليم حق للجميع كالماء والهواء، لنحاول معا أن نرتب الحديث، ولنبدأ من البداية التي جاءت على لسان رفيقة عمره أقرب الناس إلى طه حسين، عقلنا وكبرياؤنا والرمز الباقي لمن أبحروا في الأيام العصيبة ثم وصلوا إلى بر مصر.
أول ما قالته كان تاريخا، قالت لنبدأ بيوم 28 أكتوبر، كان توقفها الأول أمام الذين ساروا في جنازته: كنت في سيارتي وأثناء الصلاة في المسجد، عرفني الناس، واقترب واحد منهم مني، كان سلامة نقطة بدء، وانهالت على الأيادي والأكف والوجوه.
إنني أركز كثيرا على هذا لأن معناه أن طه حسين لم يكن عالما ومفكرا وأستاذا فقط، لقد عاش وهو يفكر في هذا الشعب وفي قضيته، وكان همه الدائم، كيف يمكن أن يعيش هؤلاء الناس حياة أفضل، وها هو الشعب يشعر بهذا، لقد أثر فيَّ منظر الجنازة وأدركت أنهم لايزالون يذكرونه ويشعرون به، لم أنس هذا أبدا، رجل صعيدي في الأربعين من عمره وقف وألقى شعرا عن طه حسين، الرجل لا يقرأ ولا يكتب، لا يعرف أحدا ولا يريد أن يعرفه أحد، ولم ينتظر شكرا، قال شعره ومضى، هو مثال لما قدمه الكل، صدقني فأنا لا أعرف هذا الصعيدي حتى الآن، ومن يوم رحيله تصلني آلاف الخطابات، لم تكتب فيها عناوين للرد عليهم، هل تصدق ولا حتى أسماء مرسليها.
كل هذا جعلني أفكر في علاقة طه حسين بهؤلاء جميعا، وفي تصوري أنه إلى جانب جميع القيم الفكرية والأدبية التي يمثلها لهم، هناك قيمة مهمة تتمثل في قصة كفاحة، فهو يعني بالنسبة لهم القدرة على النجاح رغم جميع المعوقات، إنه إنسان وبتحديد أكثر كمصري قهر اليأس وانتصر على الظلام، وهذا تأكيد لإرادة الإنسان وإعلاء قيمته، كان ردها واضحا عندما طلبت منها أن تحدثني عن حكايتها معه، فقالت إنه حكاها، وهل بعد حكايته هو تقال أي كلمات؟ لا أعتقد.
رحت أحاول أن أعرف عنها هي أي شيء بعد إلحاح من جانبي، ووساطة من جانب الدكتور محمد حسن الزيات، وتشجيع من أمينة ابنتها، قالت: إنها من إقليم برجوني في فرنسا، وذهبت إلى باريس من أجل التعليم فقط، وهناك قابلته وتعرفت عليه.