لقد كان الاحتفاء كبيراً على المستوى الإعلامي - تلفازاً وصحفاً ووسائل اتصال شعبية والإعلام الوزاري المتخصص - بالمتفوقين هذا العام، لدرجة أن قائمة المتفوقين ذاتها حملت معها تأويلات واستقراءات سياسية وسكانية وتطرقا لموضوع العنصرية، وكانت مادة دسمة للذين يعلقون كل مشاكلهم في الحياة على الوافدين. وكانت مادة دسمة لأحد أصدقائي الذي فجر السؤال في وجهي قائلاً: راجع قوائم قدماء المتفوقين منذ عشر سنوات، ثم ابحث أين هم الآن؟ وكيف استثمرتهم حكوماتهم أو حكومتنا؟ ثم اخرج بنسبة مئوية للناجحين من مؤسسات تعليمية متدنية الأداء أعادت إنتاج ذاتها عبر المدرسة؟
قلت له: رغم أن سؤالك ذكي - على غير عادتك - إلا أنه في النهاية على الجميع أن يهنئ المتفوقين على جهدهم بعيداً عن رأينا الشخصي في النظام التعليمي.
أخذ وضعية جلوس ونظرة عيون «جون ديوي» الفيلسوف التربوي المعلقة صورته بحجم أذن الفيل داخل مكتبة كلية التربية في جامعة الكويت في عام 2004، ولا أدري إذا ما أزيلت ووضع مكانها صورة لأذن الفيل ذاته من باب الحداثة والفن الحديث أم أنها باقية حتى الآن وتتمدد.
ضبط جلسته ثم قال: بالتأكيد علينا أن نهنئهم ونبارك لهم ونطبع قبلة على رؤوسهم ورؤوس آبائهم وأمهاتهم، كونهم تفوقوا في مدارس لا تعبر عن نفسها باعتبارها مؤسسة اجتماعية في المقام الاول، تبحث عن التفاعل والمساهمة، حيث يمر الطفل فيها بخبرات تعليمية وفعلية سلوكية تعبر عن كل مشاكل المجتمع وأنشطته الثقافية والاقتصادية والسياسية، ولا كونها في المقام الثاني عبارة عن معمل ومختبر اجتماعي تختبر فيه الأفكار الفلسفية حول التربية والأفكار الكبرى في الهوية الوطنية، ولا كونها في المقام الثالث مؤسسة تعليمية تسعى إلى نقل خبراتها في المعرفة والإرث الحضاري وفي تكوين الشخصية للمنتسبين إليها.
علينا أن نهنئ المتفوقين كونهم تحملوا مجموعة الورش والمحاضرات، التي تخبرهم كل يوم وبمناسبة ومن دون مناسبة أنهم محور العملية التعليمة، وأن إدارات مدارسهم تسعى لتحويل المدرسة إلى بيئة جاذبة، وأن المدرسة التي ينتسبون إليها مليئة بالأنشطة والبرامج التي تهدف إلى تنميتهم، وأن المنهج المدرسي هو ما يجب أن يحفظه الجميع مثل اسمه.
يرى كل ما يقال حوله كذبة كبرى لا يغذيها سوى صدق الملاحظة الأخيرة حول المنهج المدرسي، فيعتقد أن انغماسه في المنهج المدرسي، هو السبب في كونه غير ملاحظ للبيئة المدرسية الجاذبة، وغير منتبه لمجموعة الأنشطة والبرامج الموجودة في الفرص وخلال أيام النشاط، ويلوم نفسه في ما بعد كيف لم يلاحظ سوى الأنشطة التي تشترك فيها المدرسة عبر المسابقات، والتي دائما وأبداً تأخذ المتفوقين وتهمل الغالبية، مما يعني أنه حتى الأنشطة والمسابقات حكراً على من يتفوق في المنهج المدرسي... علينا أن نهنئهم لأنهم تفوقوا في المنهج المدرسي.
في الواقع لقد تفوق الجميع في النظام التعليمي نفسه، الذي تفوقنا نحن فيه، نظام يهتم بالتأكد من عدد الأوراق في الاختبار أكثر من التأكد من جاهزية المتعلمين للحياة والتكيف معها، وقدراتهم على الوصول لمصادر المعرفة وإعادة تنظيمها وابتكار أشكال جديدة لها، نظام تعليمي مستمر رغم محاولات إصلاحه، يقول لنا ولهم: «ماذا نتعلم؟»، ولكنه لم يخبرنا كيف نتعلم وكيف نطبق ما تعلمناه، وكيف ننتج ما تعلمناه وكيف نشارك الآخرين هذا العلم؟
إن خلو الطلاب من المشاكل وقدرتهم على التفوق في المنهج المدرسي لا يعني جاهزيتهم للحياة، وصدقني فأنا لا أحاول أن أقدم مرثية حزينة في شكل مباركة للطلاب المتفوقين، ولكني أشير لما بعد التفوق وما بعد القوائم وما بعد تحويل الضحية إلى نجوم ظلت طوال عمرها تسمع هذه الملاحظات حول الورق، وليس حول خبراتها التعليمية:
تأكد من عدد الأوراق
تأكد من كتابة اسمك الرباعي وصفك.
الكتابة باللون الأزرق ولا تضع علامة على الورقة.
من غش أو ساعد على الغش يحرم من الاختبار.
أستاذ متى الخروج؟ بعد منتصف الوقت
اكتب... راجع... راجع... راجع.
@moh1alatwan