خيرالله خيرالله / الحذاء... أو ذروة التعبير عن العجز والبؤس!
1 يناير 1970
03:46 م
لا يشكل توجيه صحافي عراقي فردتي حذائه إلى جورج بوش الابن سوى تعبير عن مدى شعور هذا الصحافي ومعه ملايين العراقيين بعداء شديد، وحتى بحقد، تجاه السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. إنه تصرف يكشف في الوقت ذاته ما لم تعد حاجة إلى اكتشافه. إنه ذروة العجز العراقي والعربي الذي جعل بعض العرب والإيرانيين يمجّدون الحذاء من جهة، ومدى الجهل الأميركي بالعراق من جهة أخرى. لا حاجة في أي شكل للاستجابة إلى الغريزة البدائية والوقوف مع الصحافي منتظر الزيدي ودعمه والاشادة به كما فعل كثيرون في العالم العربي، وبعض التابعين للنظام الإيراني، الذين نسوا أو تناسوا أن إيران كانت الطرف الاقليمي الوحيد، إلى جانب إسرائيل بالطبع، الذي دعم الحرب الأميركية على العراق.
الأكيد أن من يصفق للصحافي، الذي أساء إلى المهنة إلى حد كبير كما أساء إلى النظرة إلى الصحافي العربي عموماً، لا علاقة له لا بالسياسة ولا بالحضارة. من صفق للصحافي وأشاد به، في أي دولة من الدول العربية، عبّر عن حال من الافلاس والعجز عن التعاطي مع أي قضية مطروحة بطريقة حضارية. من يصفق للصحافي العراقي يعبر عن حال إفلاس لا أكثر. هل هناك إفلاس أكبر من الاضطرار إلى التصرف بهذه الطريقة الهوجاء في مؤتمر صحافي بغض النظر عن الرأي الشخصي في الرئيس الأميركي وسياساته وتصرفاته البعيدة في معظم الأحيان عن كلّ ما هو إنساني. يكفي ما آل اليه العراق للتأكد من أن السياسة الأميركية مدانة في هذا البلد وغيره. لكن لا شيء يبرر رمي الرئيس الأميركي بفردتي حذاء بما يعطي فكرة سيئة عن الصحافة العراقية بشكل خاص، والصحافة العربية عموماً.
أقل ما يمكن قوله عن بعض الصحافة العراقية والعربية بعد الذي حصل في بغداد فيما كان بوش الابن يعقد مؤتمراً صحافياً، وإلى جانبه رئيس الوزراء العراقي السيد نوري المالكي، أن لا علاقة لهذه الصحافة بالمهنية ما دام الصحافي غير قادر على التمييز بين مواقفه الشخصية وآرائه السياسية من جهة، وواجبه المهني من جهة أخرى. ثمة من سيقول في طبيعة الحال، من باب تبرير تصرف منتظر الزيدي، ان ما قام به الصحافي كان الطريقة الوحيدة التي يمتلكها للتعبير عما يجيش في قلوب كثيرين من العراقيين تجاه السياسة الأميركية بعد كلّ ما حل ببلدهم من مصائب. ولكن يبقى السؤال هل من صحافي عراقي يتجرأ على مجرد الاتيان بحركة في اتجاه خلع حذائه لو كان في حضرة صدّام حسين أو من هم على شاكلته من الحكّام، هل كان صدّام، أو معظم الحكام العرب، على استعداد لاستقبال صحافيين وقبول أن يطرحوا عليهم أسئلة؟ في حال حصل ذلك، وهو احتمال افتراضي إلى حد كبير، ما الذي كان سيحل بالصحافي الذي يمكن أن يطرح سؤالاً لا يعجب «السيّد الرئيس حفظه الله»؟ بالطبع، هناك قلة من الحكام العرب تتعاطى بطريقة حضارية مع الصحافة والصحافيين وتحاول الرفع من شأن المهنة. لكن القاعدة في معظم أنحاء المنطقة، بما في ذلك إيران التي سعت إلى استغلال الحادث بطريقة رخيصة، أن الصحافي منبوذ ولا يمكن التعاطي معه إلا بصفة كونه موظفاً رسمياً عليه أن يكتب أو يقول ما يُتلى عليه. الأكيد أن تصرف منتظر الزيدي لن يؤدي إلى تغيير النظرة الرسمية إلى الإعلام وتطويرها بمقدار ما انها ستزيد بؤساً أوضاع الصحافيين العراقيين الذين قدموا الكثير من التضحيات من أجل اكتساب بعض الحرية في مواجهة الميليشيات المذهبية والتنظيمات الإرهابية بكل أشكالها.
ولكن أبعد من قضية الصحافي وطريقة تصرفه في أثناء الزيارة الوداعية لبوش الابن للعراق، لا بدّ من السعي إلى جردة لما خلفته إدارة الرئيس الأميركي. يحصد بوش الابن ما زرعه. عملت إدارته كل ما يجب عمله من أجل عراق بائس بكل معنى الكلمة... عراق أكثر بؤساً مما كان عليه في عهد صدّام حسين. عراق بائس في منطقة بائسة تمجد من يستخدم الحذاء من أجل استعادة الكرامة. هل هذه هي الديموقراطية التي حاولت إدارة الرئيس الأميركي طوال ثمانية أعوام نشرها في المنطقة انطلاقاً من العراق، هل هذا النموذج الذي سعت إلى تعميمه على الشرق الأوسط الكبير؟
سيمر حادث الحذاء. لن يتذكره سوى أولئك الذين يعتبرون أنه وسيلة لاستعادة الكرامة في هذا الزمن الرديء، الذي يتميز بغياب الحدّ الأدنى من المنطق. صار العراق فجأة بخير، بالنسبة إلى كثيرين بفضل منتظر الزيدي! والحقيقة أن البلد، الذي كان إلى ما قبل فترة قصيرة عربياً ومن ركائز النظام الاقليمي العربي، في حال يرثى لها بسبب تمدد النفوذ الإيراني فيه وانتشار الفساد والفوضى في كل المرافق العامة. لم يحصل هذا التمدد إلاّ بفضل بوش الابن وإدارته التي لم تدرك معنى الاخلال بالتوازن الإقليمي، وترك العراق مرتعاً للأحزاب المذهبية والتنظيمات الإرهابية.
الكلام الجدي الآن، أن هناك بداية وعي لدى العراقيين من كل الطوائف والمذاهب لخطورة الأحزاب المذهبية، أكانت سنية أو شيعية. كيف ستكون الترجمة العملية لهذا الوعي، وهل تظهر عبر نتائج انتخابات المجالس المحلية المقبلة؟ هذه المسألة هي التي تهم العراقيين. ما يهمهم انقاذ وحدة البلد وتطوير نظامه بعيداً عن النفوذ الإيراني وغير الإيراني. ما يعيد الكرامة للعراقي العيش في دولة مؤسسات قبل أي شيء آخر بعيداً عن الميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية والشعارات المضحكة المبكية من نوع أن... الحذاء يعيد الكرامة!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن