أياً تكن نتيجة مؤتمر أنابوليس، لا شك أن الفلسطينيين خرجوا منه رابحين، أقله من الناحية المعنوية. للمرة الأولى منذ ما يزيد على سبع سنوات تعود القضية الفلسطينية إلى الواجهة. في السنوات القليلة الماضية، خصوصاً منذ الاحتلال الأميركي للعراق، تراجعت القضية الفلسطينية في سلم الأولويات على الصعيد الدولي وحتى على الصعيد العربي. لا بد من الاعتراف بأن العالم بدا أخيراً منشغلاً بقضية دارفور أكثر بكثير مما هو مهتم بالقضية الفلسطينية. وبدا العرب مهتمين بالنزاع المذهبي الذي نجم عن تفكك الدولة في العراق وانعكاساته على دول الجوار، أكثر بكثير من اهتمامهم بالقضية الفلسطينية. وزاد في ابتعاد العرب عن فلسطين الانقلاب الذي نفّذته «حماس» في غزة والذي أكد أن هم الحركة محصور في تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني بما يتفق مع طموحات جماعة «الإخوان المسلمين» بدلاً من العمل الجدي على التخلص من الاحتلال الإسرائيلي. مع انعقاد مؤتمر أنابوليس، تعود فلسطين إلى الواجهة رغم الجريمة التي ارتكبتها «حماس» في غزة ورغم أن الوضع في العراق لا يزال يراوح مكانه، بغض النظر عما يقال عن بدء عودة الأمن إلى بغداد تدريجاً. ربما عاد الأمن إلى بغداد لأنه لم تعد هناك أحياء مختلطة في المدينة. فقد عملت الميليشيات الطائفية من الجانبين كل ما عليها أن تعمله ومارست «التنظيف العرقي» على أكمل وجه بما أدّى إلى تهجير السنة من الأحياء الشيعية والشيعة من الأحياء السنية. وصار في الإمكان الحديث الآن عن بداية عودة للهدوء والاستقرار وعن أن في استطاعة المواطن الخروج من منزله بعد هبوط الليل!
بغض النظر عما سيؤول إليه الوضع في العراق، كان لافتاً في كلمة الرئيس بوش الابن في أنابوليس أنه وردت فيها كلمة الاحتلال. إن الاحتلال في أساس كل المشاكل في فلسطين. اكتشف الرئيس الأميركي ذلك متأخراً. ولكن أن تأتي الأمور متأخرة أفضل من ألا تأتي أبداً، على حد تعبير مثل فرنسي مشهور. إلى جانب الإيجابية المتمثلة في كلام بوش الابن عن ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، امتلك الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس (أبو مازن) ما يكفي من الشجاعة لوضع قضية القدس في الواجهة. لا يستطيع الجانب الفلسطيني التوصل إلى تسوية من أي نوع كان من دون صيغة تعيد المسجد الأقصى إلى السيادة الفلسطينية أو العربية أو الإسلامية. إن أي صيغة لا تتضمن ذلك ستعطل التسوية. في حال كانت هناك صيغة معقولة بالنسبة إلى القدس، سيكون في استطاعة الجانب الفلسطيني البحث الجدي في موضوع اللاجئين وماذا يعني حق العودة عملياً. هل يعني العودة إلى أراضي 1948 أم إلى الدولة الفلسطينية المقترحة... أم يمكن إيجاد حل وسط يؤمن عودة عدد محدود من العائلات إلى أراضي 1948 تحت لافتة لم الشمل للعائلات، في حين يحصر حق العودة، لأي لاجئ فلسطيني في أي مكان في العالم، بأراضي الدولة الفلسطينية.
في كل الأحوال، إن القدس ستلعب دوراً رئيسياً بالنسبة إلى نجاح مؤتمر أنابوليس. في حال حصول تقدم على صعيد القدس، سيكون في الإمكان حلحة مشاكل أخرى كثيرة. وهذا يعني في طبيعة الحال، أن على الجانب الإسرائيلي أن يأخذ في الاعتبار ما تعنيه القدس ليس بالنسبة إلى العرب فحسب، بل إلى المسلمين في كل أنحاء أنحاء العالم أيضاً.
لم يخسر الجانب الفلسطيني شيئاً من ذهابه إلى أنابوليس. يكفي أن القضية عادت إلى الواجهة بعد غياب طويل عنها لأسباب بعضها إقليمي والبعض الآخر عائد إلى الوضع الداخلي الفلسطيني. حسناً فعل «أبو مازن» عندما تصرف بطريقة تؤكد أن استيلاء «حماس» على غزة لم تؤثر في القرار الفلسطيني المستقل، بل زادت من استقلاله، إضافة إلى أن استيلاء «حماس» على القطاع سهل على الرئاسة الفلسطينية التحرك بحرية أكبر بعيداً عن الشعارات الحماسية التي لا تصب سوى في خدمة الاحتلال الإسرائيلي. وبدا الأمر كأن ثقلاً انزاح عن كتفيها. ولهذا السبب، ربما توجب على الرئاسة الفلسطينية والسلطة عموماً توجيه الشكر إلى «حماس»، لأنها حصرت نفسها في غزة وعزلت نفسها عن القرار السياسي الفلسطيني الذي لم يكن لديها هدف آخر غير شله بالكامل.
إذا كان الرئيس الأميركي تحدث عن إنهاء الاحتلال. وإذا كان الرئيس الفلسطيني أشار إلى مدى أهمية القدس ودورها المحوري في أي تسوية، فإن كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت تفضح عجزاً عن فهم الطبيعة العربية عموماً. عندما يتحدث أولمرت عن التطبيع قبل التوصل إلى تسوية نهائية مع الجانب الفلسطيني وحتى مع الجانب السوري، فإنه يكشف أنه لا يريد أن يتعلم. لو شاء رئيس الوزراء الإسرائيلي أن يتعلم، لكان سأل نفسه لماذا لا تطبيع على الصعيد الشعبي مع مصر والأردن، أي مع الدولتين اللتين وقعتا معاهدتي سلام مع إسرائيل، ولكان حصل على الجواب المطلوب. في الواقع، لا وجود لشيء اسمه تطبيع مادامت إسرائيل مصرة على الاحتلال وما دامت متمسكة بالقدس. الموضوع ليس موضوع عملية سلام قد تنطلق من أنابوليس بمقدار ما أنه موضوع متعلق بطبيعة السلام الذي يمكن أن يتحقق في المنطقة. نعم، إن مؤتمر أنابوليس كان مهماً بدليل أن النظام السوري اضطر إلى المشاركة وترك أدواته في لبنان تندد به. صحيح أن المؤتمر يمثل إنجازاً كبيراً للفلسطينيين من منطلق أنه يثبت أن قضيتهم لم تمت، لكنه يظهر في الوقت ذاته كم من الصعب التعاطي مع إسرائيل ومع أشخاص يريدون من العالم كله تفهم هواجسهم ومراعاتها، في حين أنهم يرفضون حتى الاعتراف بأنه يمكن أن تكون للآخرين هواجس!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن