خواطر صعلوك

«أنا حرة»...!

1 يناير 1970 03:29 م

كان يمكن أن أتجنب المتاعب والجدل، لو أني رفعت بضعة سطور من كل قصة، وأجريت تعديلاً طفيفاً في نهاية قصة «أنا حرة»... ولكني رفضت أن ينزع سطر واحد برضاي، وصممت على أن تبقى «أنا حرة» حرة في اختيار نهايتها!
إني لا أستطيع أن أشوه الحقيقة... وهذه القصص تصور الحقيقة.
أفسحوا الطريق... إن الحقيقة تتقدم!
كانت هذه عزيزي القارئ، هي مقدمة الطبعة الأولى من رواية «أنا حرة» للكاتب الصحافي، وأديب الحب والحرية إحسان عبدالقدوس «رحمه الله».
وكما تلاحظ فهي مقدمة طبعة روائية غارقة في الحقيقة والحرية!
ولكنه في مقدمة الطبعة الثانية للرواية نفسها يقول رحمه الله: «أنا لا أكاد أعرف نفسي من هذه القصة، إنها قصة منتزعة من حياتي، ومن آراء كنت أؤمن بها، ومازلت أؤمن ببعضها... أعتقد أن من يقرأ لي اليوم، لا يكاد يعرفني في هذه القصة، ولا يعني ذلك أني أتبرأ من (أنا حرة)، بالعكس، إني أزهو بها كعلامة من علامات الطريق الذي سرت فيه ولم أتمه بعد».
ولكن هناك شيئاً غريباً آخر في رواية «أنا حرة»، فقد لاحظت أن الحوار في بعض فصول القصة مكتوب باللغة العامية جداً، وفصول أخرى مكتوبة باللغة العربية الفصحى جدا!
كيف حدث هذا؟
وتذكرت أنني أثناء كتابتي للقصة قرأت قصة عراقية باللغة العامية، ولم أفهم منها شيئاً، وخيل إليّ أن قراء العراق لن يفهموا من قصتي شيئاً، إذا كتبت حوارها باللغة المصرية العامية!
وكنت قد نشرت بعض فصول «أنا حرة» فأكملت بقية الفصول باللغة الفصحى.
بقيت فكرة القصة والآراء التي تضمنها، وأنا مازلت مؤمناً بالفكرة وبالآراء التي تضمنها، عدا رأي واحد لن أشير إليه، لقد كنت أعتقد وأنا أعيد قراءة «أنا حرة»، أني كتبتها منذ عشر سنوات، ثم إذ بي أكتشف أني كتبتها منذ خمس سنوات فقط. كم يتغير الإنسان في خمس سنوات! انتهى.
ما أن قرأت المقدمتين حتى أغلقت الرواية، معتبرا أن المقدمتين وجبة دسمة تكفيني لهذه الليلة، لكي أبحث عن الحب والحرية!
أحيانا يكون جمال مقدمة الرواية أجمل من الرواية نفسها.
هل الرواية التي يكتبها شاب في عمر ما بين (18 - 34) عاماً مثلاً تعبر عن قناعاته وقيمه وآرائه مدى الحياة؟
هل يسمح للأديب والكاتب والمفكر والروائي أن يعدل في رواياته وفي حواراتها ووصفها، بناء على تغير وعيه تجاه العالم؟
أم يجعل كل شيء كما هو، ويكتفي بالتوضيح الشفوي في المحاضرات، أو المكتوب في المقدمات من دون التنقيح في الذي كتب ذاته؟
لو تخيلنا أن هناك شاباً كتب رواية، وفي كل مرة يعيد طباعتها وتنقيح ما فيها حسب تطور وعيه وتجاربه وممارساته وسياقاته والأبعاد التي يتعرض لها ويتفاعل معها، هل يجوز له فعل ذلك، أم فقط يوضحه في المقدمة - كما فعل الروائي إحسان عبدالقدوس - أو يؤلف رواية جديدة أو كتاباً جديداً، ربما يدخله - فيما بعد في ذات الدائرة عندما ينمو ويتطور؟
وما هو الرأي أو القناعة التي تخلى عنها الروائي في رواية «أنا حرة»، والذي قد يجعلني كقارئ أشتبك معه، رغم أنه لم يعد مؤمنا بها؟ هل لهذا كله علاقة بالحرية؟
أنا شخصياً كتبت مقالات لم أعد مؤمناً بها، وربما يشتبك معها قارئ ما، في مكان ما، رغم أني لم أعد أقرأها، ترى ما العمل في حالات كهذه؟
إلى أي مدى يصبح فعل الكتابة مسؤولية كبيرة على الكتاب والنخب والمغردين الكبار؟
وهل يمكن للكتاب المنشور أو التغريدة المصورة، أن يكونا سبباً في جعل المرء لا يغير ويطور من نفسه فقط، لأن هناك لقطة ممسوكة لوعيه في مرحلة ما من مراحل عمره؟
ما علاقة فعل الكتابة بفعل الحرية؟
متى يكون التوثيق سجنا للإنسان ومتى يكون تعليماً له؟

@moh1alatwan