خيرالله خيرالله / تتفيه المشروع الوطني الفلسطيني ... انطلاقاً من غزة!
1 يناير 1970
03:47 م
ما يحدث في غزة حالياً هزيمة للمشروع الوطني الفلسطيني يدفع ثمنها أبناء هذا الشعب الذي عرف كيف يبقي قضيته حية، وكيف يدافع عنها في المنتديات الدولية، وكيف يحول دون أن يكون وقوداً في معارك وصراعات إقليمية لا علاقة له بها. ما تشهده غزة حالياً محاولة لدفن القرار الفلسطيني المستقل الذي أعاد فلسطينيين، بمن فيهم ياسر عرفات رحمة الله عليه، إلى أرض فلسطين للمرة الأولى في تاريخ النضال الطويل لهذا الشعب. ما يجري حالياً محاولة لتتفيه القضية الفلسطينية تحت شعارات كبيرة فارغة من نوع أنها قضية تشمل كل أرض فلسطين، بالمعنى التاريخي للكلمة، وتحويلها في واقع الحال إلى قضية «تهدئة». انها تهدئة بين «حماس» وإسرائيل بما يسمح لـ «حماس» بالسيطرة على قطاع غزة، وتغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني في القطاع تمهيداً للانتقال إلى عملية مماثلة تنفّذ في الضفة الغربية في مرحلة لاحقة. تبدو التهدئة مطلوبة أكثر من أي وقت لسبب في غاية البساطة... لا تريد «حماس» التخلص من الاحتلال بمقدار ما أنها تسعى إلى تكريسه من منطلق أنها تريد تحرير كل أرض فلسطين، وأن فلسطين وقف إسلامي وهذا يستوجب إزالة إسرائيل من الوجود. هل هذا يخدم الاحتلال نعم أو لا، هل في استطاعة السيد خالد مشعل، أو السيد اسماعيل هنية، أو من لف لفهما الإجابة عن هذا السؤال بكل صراحة... أم أن مهمتهما في هذه الحياة خدمة المشروع الإسرائيلي الهادف إلى التهرب من قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بحجة أن لا شريك فلسطينياً يمكن التفاوض معه؟
يتبين كل يوم أن لا همّ آخر لـ «حماس» سوى خدمة المشروع الإسرائيلي. هل من جريمة أكبر من اختزال القضية الفلسطينية، التي هي قبل كل شيء قضية شعب يطالب بحقوقه الوطنية «غير القابلة للتصرف» استناداً إلى قرارات الأمم المتحدة، إلى قضية فك الحصار عن غزة واستمرار التهدئة، أو عدم استمرارها؟ صارت التهدئة هدفاً في حد ذاته وكأنّ هناك شيئاً اسمه التهدئة من أجل التهدئة. بدل أن يكون همّ الشعب الفلسطيني تحقيق أهدافه الوطنية، صار مطلوباً أن تكون هناك تهدئة من أجل الحصول على الغاز والنفط والدواء والغذاء وبعض الكهرباء. هل من نجاح أكبر من هذا النجاح للمشروع الإسرائيلي الذي تعتبر غزة آخر هم من همومه في حين أن هدفه الحقيقي في الضفة وليس في أي مكان آخر من المنطقة؟
معروف جيداً أن إسرائيل نفّذت انسحاباً من جانب واحد من غزة صيف العام 2005 رافضة التنسيق مع السلطة الوطنية الفلسطينية. انسحب الإسرائيليون حتى من المستعمرات التي أقاموها في القطاع، ووجد من ذهب إلى تدمير البنية التحتية للمستعمرات بدل الاستفادة منها. ماذا حصل بعد ذلك؟ بدل أن ينصرف الفلسطينيون إلى تحويل غزة نموذجاً لما يمكن أن تكون عليه أي أرض فلسطينية ينسحب منها الاحتلال، سعت «حماس» بكل وسيلة ممكنة إلى زرع الفوضى في القطاع بدءاً بتعميم فوضى السلاح، والانقضاض على الشرعية وصولاً إلى الانقلاب الذي نفذته في منتصف يونيو من العام 2007 لتكريس وجود كيانين فلسطينيين لا علاقة لأحدهما بالآخر. هل من خدمة أكبر من هذه الخدمة تقدّم إلى الاحتلال؟
من يرصد تصرفات «حماس» في هذه المرحلة لا يتأكد من أنها نجحت في تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية تهدئة تختصر بوقف إطلاق الصواريخ المضحكة- المبكية من أجل الحصول على التيار الكهربائي وبعض الغذاء والدواء فحسب، بل نجحت أيضاً في جعل مأساة الشعب الفلسطيني في غزة، وهي مأساة تتحمل مسؤوليتها «حماس» أولاً وأخيراً بتواطؤ مباشر أو غير مباشر مع إسرائيل، تصبّ في خدمة عملية تصفية حسابات مع مصر. هل هذا ثمن الجهود التي بذلتها القيادة المصرية، وقبلها القيادة اليمنية، من أجل تحقيق مصالحة فلسطينية - فلسطينية؟
ما كشفته الأحداث الأخيرة في غزة أن «حماس» لا تمتلك قرارها. تبين بكل بساطة أن القرار في مكان آخر. كل ما في الأمر أن هناك اسماعيل هنية يحاول اكتساب شرعية عن طريق الصراخ. منذ متى يصلح الصراخ لإضفاء شرعية على شخص ما، كل ما استطاع تحقيقه أنه وصل إلى المجلس التشريعي الفلسطيني ثم إلى موقع رئيس الوزراء بفضل اتفاق «أوسلو» وليس بفضل أي وسيلة أخرى. هل كانت انتخابات فلسطينية لولا اتفاق «أوسلو» المرفوض من «حماس» أصلاً؟
لا يمكن لأي مسؤول الاحتفاظ بشرعيته عندما ينقلب عليها. حصل الانقلاب على الشرعية في منتصف يونيو 2007. من يقف مع الشرعية لا ينقلب عليها. من يقف فعلاً مع الشرعية لا يشكل ميليشيا خاصة به لإقامة سلطة داخل السلطة. من يقف مع الشرعية لا يستخدم شعبه في معارك لا تصب في خدمة هذا الشعب وقضيته الوطنية. حسناً فعل اسماعيل هنية عندما هاجم الرئيس محمود عبّاس في الذكرى الواحدة والعشرين لتأسيس «حماس». أثبت أخيراً أنه في خدمة الاحتلال وأن لا هدف لـ «حماس» سوى تعميق الهوة بين الضفة وغزة، والسماح لإسرائيل باستخدام الوقت لتكريس أمر واقع جديد في الضفة الغربية يتمثل في استكمال «الجدار الأمني» الذي لم يعد هناك من يتحدث عنه للأسف الشديد.
باتت أهداف «حماس» واضحة كل الوضوح. لم يعد خافياً على أحد لمصلحة من تعمل «الحركة». المشكلة صارت في مكان آخر. يفترض في الفلسطينيين، وفي الرئيس عبّاس شخصياً التصرف بطريقة مختلفة ترتكز على أن غزة لم تعد عبئا. غزة عبء على «حماس» التي تستطيع التلذذ بابتلاع سمها بهدوء والتلذذ به إلى حين يقضي عليها. من واجب السلطة الوطنية التي مرجعيتها «منظمة التحرير الفلسطينية» التصرف من منطلق أن تحقيق الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني لا يمكن أن يبقى أسير غزة أو «حماس» التي هي أسيرة الجندي الإسرائيلي الذي تحتجزه. متى تحققت الأهداف، وثمة فرصة لتحقيق بعض منها في المستقبل المنظور، لا يمكن لغزة بشعبها الأبي والوفي إلا أن تكون جزءاً من المشروع الوطني الفلسطيني. ولذلك المصالحة الفلسطينية لا أهمية لها في غياب اتفاق على المشروع الوطني الفلسطيني الذي يحظى بغطاء عربي أو دولي. كل ما عدا ذلك نكات سمجة لا تستهدف سوى التغطية على جريمة استخدام الشعب الفلسطيني وقوداً في معارك المحور الإيراني- السوري، مع مصر أو مع جهات أخرى عربية أو دولية. من النكات السمجة لقاء خالد مشعل مع الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر في دمشق. هل نسي رئيس المكتب السياسي لـ «حماس»، الراغب بالمتاجرة بالتهدئة، أن ياسر عرفات التقى كارتر في قصر الاليزيه في باريس في حضور الرئيس فرنسوا ميتران في أبريل من العام 1990. كان ذلك في سياق مسيرة طويلة ذات معالم واضحة قادت ياسر عرفات إلى البيت الأبيض وليس إلى هدنة طويلة مع إسرائيل تسمح لها بتكريس احتلالها للقدس ولجزء من الضفة الغربية... كانت رحلة البداية من أجل استرجاع أرض فلسطينية، وليس من أجل التفريط بالأرض وسوء استخدامها، متى تحررت، كما يحصل هذه الأيام في غزة.
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن