ضواحي

قبل الرحيل...!

1 يناير 1970 11:44 ص
| تسنيم الحبيب |
الآن...
ترينه وقد لف قلبَك د.ثارُ الزمهرير... راقدة في غرفة بكماء... فوق السرير الأبيض... وأفعى «المغذي الطبي» تتلوى على ظهر كفك المتورم.
الآن...
وقد بدوت شبح إنسان يستقري الذَماء، قد مات ورد وجنتيك... وتساقط شعرك تساقط السفير... وأمسيت تنظرين لمياسين الدجى نظرة مودع.
الآن...
ترينه بطوله الذي شاقك مرارا... وبشعره الغزير الذي لطالما رسمته على صفحات خيالك المخضلة، وبوجهه الذي كبر كثيرا... لكنه ما تخلَّى عن س.مَته التي عهدتها سلفًا.
ترينه... لتجبرك النظرة أن تعودي لذلك الصباح القاتم... حيث وددت أن تغرسيه في أعماق قلبك الموشك على السكون... وودت أن تحمليه معك إلى ما لا أين له ولا كيف... ولكنك خلفته في قصر ما كان يوما لك، وجمعت نفسك... نفسك وحسب... لتُلحدين الذكريات والحاجيات... معه.
ما حملت معك إلا نفسك... وبصمات من الوحشية المطبوعة على خدك، وقرحة خالَلَتك. مذ هبطت إلى ذلك القصر... ونشيجًا نسجت.ه على أهدابك سنتين، وتوحدا استنشقت.ه حتى تغلغل في شغاف قلبك... ونبذا واستخداما واستضآلا لشأنك وشأن ذويك.
حملت كل ذاك وتركته تهرعين في طريق البث... هاربة... وجلة... إلى منزل أخيك الذي لم يكن ليستقبلك برتحاب وأنت تحملين لقب مطلقة.
حينها لم تتلقفك ذراع حنونة... ولا مسَّدت كفٌ شعرَ رأسك الذي نتفَت منه القسوة الشيء الكثير... ولا بلسَم أحد جرح أمومتك، وحدها المناديل التي كفكفت دمعا هتونا انتزعته من روحك في ليالي الترح المديدة، ووحدها الوسادة كانت تناغيك، فتهدهدينها بين ذراعيك حتى يغلبك الوسن.
ترينه الآن... لتفتح لك عيناه شرفات الذاكرة... تشرق منها شمس صباحاتك الثكلى... بلا جسمه الغض الرقيق، ورائحة الحليب تزكم أنفاسك وصرخات التقريع القاسية ترتفع من حنجرة زوجة أخيك الحانقة:
«من هي حتى تتنمر على نصيبها؟... كلنا نصبر على عناء الأزواج.
لقد ضقت بها في داري»
فتلتف شطآن التهيام حول جيدك.
سنواتك الأربعون تخطر الآن في طرقات عينيه... اللتين لا تحجبان تساؤلا مريرًا وتثريبًا خجولاً:
«كيف يا ترى قضيتها؟»
أنَّى له أن يدرك تسوُّلك لأخباره... أن يدرك انتصابك في جنح الأسحار على سجادة الصلاة... ضارعة للمولى عز وجل أن يحيطه بعنايته متنقلا بين زوجات أب لا يبقين... كيف له أن يعرف أشجان هلال العيد، ورنين جرس المدرسة القريبة من عملك... وزفيرك اللاهث عند واجهات حوانيت بيع الدمى.
ثم أنَّى له أن يفهم سعيك إليه... حاملة باقة من الورد وإسوارًا من الذهب لعروسه... رغم صحاري الوجد الفيحاء، ووشايات الإيغار... وعودتك منه مضرجة بجراحات الغُبن والظليمة.
والآن يمطر عليك...
فتتيقنين بأنك ناديت:
«رباه»
وتعرفين أن ربك لم يُسل.مك... وتتذوقين حنانه الحلو... فما خاب أبدًا من فوض أمره إليه.