هو هدير أم زمجرة؟ لا أعلم... صوت متقطع ضائع بين صدى محرك ولحن عذب بلمسة عربية أصيلة (1).
شجن عزف اختلط مع معاناة جسد يكافح لأربع عشرة ساعة.
نعاس أم نوم، أم حلم يقظة هو الذي غلبني؟ بكاء طفلة متواصل أوصل يدي إلى السماعة لأقتل الوقت بفيلم اخترته بوليوودياً.
«رحلة فقير الرائعة»، فيلم يحكي قصة بحث رجل عن والد تعرف عليه من رسالة باريسية موجهة إلى والدته وقصاصة ورق من جريدة. يذهب الفقير إلى باريس، ولأنه لا يملك قوت يومه، يختار خزانة متجر لتكون المكان الذي يقضي فيه ليلته الأولى ليستيقظ في برشلونة. نراه يلف العالم في الفيلم. من أوروبا إلى أفريقيا، وأخيراً إلى آسيا. القارة الوحيدة التي غابت عن خارطة فقير، ولكنها لم تغب عن خارطتي أنا، هي القارة الأميركية!
رحلتي ليست بعيدة جداً عن رحلة فقير. الفارق شرق وغرب!
عبر النافذة رسمت حدود الغيم بنظري.
بين رمشة وأخرى، ووسط السحاب، تراءى أمامي وجه غريب اقتحم أفكاري ولوّح لي من بعيد! دعاني مبتسماً، مرحّباً بي في مملكته التي لم أكن أعلم بأنني اقتحمتها بغير قصد!
وجه يشبه حمورابي، وعينان تعكسان بريق ذكاء نبوخذ نصر!
دخلت مملكته من بوابة عشتار(2)، وطفت حدائق أخبرني أنه بناها إرضاء لزوجته لأنها تكره العيش على أرض مسطحة، فجعلها حدائق معلقة، محولاً المسطحة إلى إحدى عجائب الدنيا! وفجأة، تغيّر المشهد من حولي واختفت البوابة والحدائق، وكل الجمال السابق تحوّل إلى بقايا حضارة عندما سمعت صوت دوي انفجار، فهربت وتحصنت بمقعدي وفضلت صوت المحرك وبكاء طفلة!
عقارب ساعتي تتحرك ببطء، اعتقدت أنها تعاني من خلل ما. نظرت مجدداً من النافذة لأرى إن كان المشهد بنوره أو ظلمته يتشابه مع عقاربي!
المشهد خارج نافذتي أنساني الثواني بتكاتها!
وكأن ضربة عصا ساحر حولت الوجه الكلداني إلى وجه بلحية تزيّنه عمامة هائلة الحجم، يبدو الوجه ضائعاً تحتها. سألته إن كانت ثقيلة، فأخبرني أنها ليست غطاء فقط يزيّن الرأس، إنما هي كفن يحمله على رأسه طوال فترة ملكه كرمزية ارتباط السلطنة بالجهاد! ومجدداً، أحببت أن ألقي نظرة داخل المملكة... أو الإمبراطورية!
دعاني صاحب العمامة إلى حفل موسيقي في قصره القابع على ضفاف البوسفور، لكنه أخبرني أن عليّ أن أجلس هناك مع «الحريم» أعلى القاعة وأستمع وأتابع هذا الحفل من خلال شقوق صغيرة في مشربية زيّنت المكان لهذا الغرض! اعتبرت العزيمة عزيمة «كذابة» كما نسمي في الأيام الحالية أي دعوة غير جدية! وتفاجأت أن كلامه جدي ودعوته مشرفة، لأنه أجلسني مع حريم قصره... حريم السلطان! شعرت بفضول للاستماع إلى موسيقاهم لمعرفة الفرق بين ما نسمعه اليوم وما كان يسمع في الصالات الإمبراطورية!
عندما بدأ اللحن يتجلى، سكتت نميمة الحريم، ليرتفع نغم آلة غريبة عن ثقافتنا، أُخبرت أنها الطنبور، وما نسمعه من عزف يسمى مقامات. فجأة سكتت الموسيقى بسبب أصوات تعالت خارج القاعة... خارج جدران وأسوار القصر! همس الحريم تحول إلى صرخات لكلمة واحدة... ثورة... ثورة... ثورة!
فثرت على مخيلتي واحتميت بمقعدي وفضلت إمبراطوريتي الطولية بشبابيكها... وبكاء الطفلة فيها.
وبعد لحظات «عادت حليمة لعادتها القديمة»، بسبب مطبات هوائية أركبتني «رولر كوستر» هبط بي إلى جانب كاتدرائية مميزة بهندستها! من حولي ناس يرقصون رقصات دائرية فولكلورية!
«ما هي أمنيتك؟»... «لن أخبرك قبل أن نجد الحجر»... «هل تؤمنين فعلاً بأنه بإمكان حجر أن يحقق الأماني؟». حوار بين رجل وامرأة توجها إلى المنارة مقابل الكاتدرائية بحثاً عن حجر يقال إن له تأثيراً إيجابياً على مزاج وحظ من يراه! (3)
تساءلت كيف لأشخاص داخل دار عبادة أن ينسوا الخالق ويستعينوا بحجر!
تركت الكاتدرائية وجلت شوارع مدينة، وفضلت أن أحتفظ بصورة شاملة لتلك البلاد. برج جيديميناس منحني تلك الفرصة! مناظر جميلة خلابة! استبدلت بعد النظر بقصره ونظرت أسفل البرج، فرأيت مظاهرات ويافطات تطالب بالاستقلال (4). فضّلت البعد عن كل مظاهر الانقسامات وأعدت تصويب عيوني إلى الأفق الذي ذكرني بما رأيته في فيلم «Loss» الليتواني الحائز على جائزة أفضل فيلم أجنبي في حفل أوسكار العام 2008. وبما أنني لم أشاهد الفيلم كاملاً، ركضت عائدة متسلقة السحاب إلى مقعدي، لأقلب الأفلام على شاشتي وأجرب حظي مع خياراتي... وفشلت وخذلني حظي!
شعرت بالإرهاق وبتسارع أنفاسي! نوبة ربو؟ «مش وقتها لأ». أفضل حل للمشكلة زيارة أنقى بقعة على وجه الكرة الأرضية. عانقت ندفة ثلج أنزلتني فوق رداء جميل أبيض خارق للطبيعة لم أر لنقائه وصفائه مثيلاً. من حولي شخصيات تشبه إلى حد كبير ترودو في فيلم «The Lord of the Rings»... ترودو وأصدقاؤه (5).
صديق ترودو دعاني إلى منزله بعد أن رآني أرتجف من البرد! هناك عرفني على جدته وأجلسني معهم حول مائدة استبدلت الخبز بالسمك المقدد. سألت عن الخبز، فأخبروني أن القمح والحبوب في بلادهم لا تزرع بسبب الساعات المشمسة القليلة! (6)
قمح مستورد قد يحوّل الخبز إلى كافيار! أطباق أسماك متنوعة ذكرتني بالوجبة التي تنتظرني في مركبتي، فآثرت خبزي وطبقي ومقعدي!
استيقظت على صوت ينادي بربط الأحزمة وفراق طائر جال بي نصف الكرة الأرضية.
لوحة ترحيب من الولايات المتحدة... وشعرت بسلام داخلي يشابه وصولي بسلام إلى أرضها. الفقير وأنا... رحلات بحث... هو يبحث عن انتماء عن أب... وأنا أبحث عن سلام بمعناه الشامل والمطلق.
رحلة سلام طويلة غير منتهية، اختصرتها بأربع عشرة ساعة بدأت من الدوحة وانتهت في دالاس.
(1) الموسيقى على متن الرحلة من تأليف الفنانة القطرية دانا الفردان.
(2) بوابة عشتار موجودة في متحف بيرغامون في برلين.
(3) حجر الحظ موجود في المنارة القابعة أمام كاتدرائية فيلنيوس.
(4) ليتوانيا كانت جزءا من الاتحاد السوفياتي وانفصلت عام 1990 عن روسيا بسبب مطلب شعبي.
(5) 70 في المئة من سكان آيسلاندا يؤمنون بوجود الـ «elves» وتحكى أساطير حول هذا الموضوع.
(6) قبل القرن العشرين اختفى الخبز تماما عن موائد الآيسلانديين بسبب قلة الأيام المشمسة لم يكن بالإمكان زراعة الحبوب.