خيرالله خيرالله / ماذا يحصل في ... الكويت؟
1 يناير 1970
03:47 م
كان طبيعياً أن يعيد أمير دولة الكويت صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الصباح، بما عرف عنه من حكمة ودراية وخبرة، تكليف الشيخ ناصر محمد الأحمد الصباح إعادة تشكيل الحكومة. الحكومة لم تسقط أصلاً. الحكومة ممثلة برئيسها أرادت توفير مجال لالتقاط الأنفاس والتفكير في العمق في ما آل إليه النظام السياسي في الكويت، فكان أن قدمت استقالتها. قدمت استقالتها تفادياً لتحول مجلس الأمة إلى سوق عكاظ آخر ومسرح للمزايدات التي لا تنم سوى عن تدهور في مستوى النقاش السياسي في ظل غياب ما يردع بعض النواب من إثارة مسائل لا حاجة إلى أن تثار. إنها مسائل لا تقود سوى إلى إثارة أسوأ نوع من الغرائز، أي الغرائز المذهبية. ألا يريد هؤلاء النواب أن يتعلموا شيئاً مما يجري في المنطقة وعلى حدود الكويت؟ ألا يعتقدون أنه من الأنسب التفكير في المستقبل بدلاً من أخذ البلاد إلى قعر الماضي، أي إلى أسوأ ما فيه بدلاً من السعي إلى البناء على الصفحات المشرقة والمضيئة من تاريخ الكويت؟
كثيرة الصفحات المشرقة والمضيئة في تاريخ الكويت. يكفي أنها ذات تجربة ديموقراطية عريقة. ويكفي أنها كانت دائماً بلد الانفتاح والتسامح. يكفي أنها كانت دولة رائدة اقتصادياً واجتماعياً. يكفي أنها كانت تفكر دائماً في مستقبل أجيالها فوظفت ثروتها في خدمة تلك الأجيال. ويكفي خصوصاً أن شعبها وشيوخها وقفوا وقفة رجل واحد في مواجهة الاحتلال العراقي والتصدي للمغامرة المجنونة لصدام حسين الذي أراد إحلال نكبة بالكويت وأهلها شبيهة بتلك التي أحلها بالعراق والعراقيين. وسمح ذلك في العام 1990 للأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد وولي عهده الشيخ سعد العبدالله ومعهما الأمير الحالي باللجوء إلى الوسائل اللازمة للتخلص من الاحتلال واستعادة الكويت لحريتها وسيادتها واستقلالها واستعادة العزّة والرفاه.
سيشكل الشيخ ناصر حكومته، وهي الخامسة في أقل من ثلاث سنوات. هذا ليس دليل عافية بمقدار ما أنه دليل على أن هناك عطباً ما في النظام السياسي المعمول به. لا مفرّ من تشكيل حكومة جديدة ولكن لا مفر أيضاً من تركيز الجهود في المرحلة المقبلة على البحث في كيفية إصلاح العطب الذي يهدد بنسف الحياة السياسية في الكويت، بل يهدد الأسس التي تقوم عليها التجربة الكويتية التي سمحت لكل مواطن بأن يشعر بالفخر بسبب انتمائه إلى الكويت.
من يحب الكويت ويبدي حرصاً عليها، يعترف، أولاً، بأن هناك مشكلة مرتبطة بالنظام السياسي القائم. ويعترف خصوصاً بأن المشكلة أدت إلى دوران في حلقة مقفلة. هل يجوز لبلد كان منارة لدول المنطقة، بلد عرف كيف يتجاوز كل الصعوبات منذ استقل في العام 1961 أن يكون في العام 2008 في وضع من يدور على نفسه؟ ليس طبيعياً بقاء الوضع على حاله. ثمة حاجة حقيقية إلى كسر الحلقة المقفلة وتجاوز النظام السياسي الحالي الذي بات محكوماً بعلاقة تصادمية بين الحكومة والبرلمان. مثل هذا النظام يستولد الأزمات المتتالية ولا أفق له، إلاّ إذا اعتبرنا التصعيد اليومي بين الحكومة والنواب هدفاً بحدّ ذاته.
لعل أدق وصفاً للحال التي يعاني منها النظام السياسي الحالي في الكويت ما قاله متابع للوضع من قرب. يقول هذا المتابع إن في أساس المشكلة حكومة تحتاج دائماً إلى حماية نفسها من النواب كي تمرر المشاريع التي تهم البلد والمواطن بالتي هي أحسن، فيما لدى عدد لا بأس من النواب همّ واحد محصور في تمرير معاملاتهم. وفي حال توقفت هذه المعاملات لسبب ما، قد يكون قانونياً في أحيان كثيرة، تصدح أصوات لنواب يطالبون بضرورة احترام الدستور والقانون. أما إذا تعرقلت صفقة حكومة - نيابية لسبب ما، تعلو أصوات لوزراء يدعون أنهم يتعرضون إلى حملات من كل نوع، نظراً إلى أنهم رفضوا تجاوز الدستور والقوانين المعمول بها. النقاش في شأن من يتحمل المسؤولية لا ينتهي. أما النتيجة، فإنها تتلخص بأن كل مشاريع التنمية توقّفت. هناك، على سبيل لمثال وليس الحصر، مشروع تطوير الحقول النفطية في الشمال. لا يزال هذا المشروع في الأدراج منذ عشرين عاماً. هل يمكن تخيل العائدات التي كانت جنتها الكويت لو كانت حقول الشمال تنتج نفطاً وسعر البرميل قريب من مئة وخمسين دولاراً؟ مشاريع أخرى مرشحة للانضمام إلى حيث انتهت حقول الشمال. من بينها مشروع المصفاة الرابعة الذي أسال حبراً كثيراً قبل دخوله مرحلة الجمود... ومشاريع مختلفة مرتبطة بالخصخصة والنظام الضريبي والاستثمار الأجنبي والمدن الجديدة التي يستفيد منها المواطنون. يظهر أن الأدراج تتسع لكل أنواع المشاريع في الكويت.
توقّفت التنمية في الكويت. كان طبيعياً أن يؤدي ذلك إلى بروز ظواهر مقلقة مرتبطة بالطائفية والمذهبية والقبلية والعشائرية بدلاً من تراجع هذه الظواهر. أدى ذلك إلى تكريس العامل القبلي وتحوله إلى العامل الأساس في الانتخابات، خصوصاً في الدوائر الواقعة خارج العاصمة. صارت الحكومة تعتمد المحاصصة لإرضاء الجميع وإسكاتهم. صارت تعتمد المحاصصة لإرضاء الشيعة والسلفيين والإخوان والليبراليين، إضافة إلى المنتمين إلى كل عشيرة من العشائر الكبيرة وحتى الصغيرة أحياناً. يحصل ذلك في وقت يطرح الأمير وولي العهد ورئيس الوزراء الذين يعرفون تماماً ما يدور في العالم وحول الكويت رؤية مستقبلية تتفق مع امكانات الكويت ودورها الحقيقي، رؤية تستهدف، بين ما تستهدف، تحويل الكويت إلى مركز مالي أساسي ومحوري في المنطقة...
هل من مخرج؟ الجواب أن لا شيء يمكن أن يحصل بين ليلة وضحاها. لكن لا شيء يمنع من التفكير منذ الآن في خطوة أولى تقوم على تغيير النظام الانتخابي في اتجاه يؤمن انصهاراً وطنياً وتطويراً للنظام السياسي بما يسمح بتنظيم العلاقة بين السلطات بشكل أفضل. إنها علاقة يمكن توظيفها في سبيل تحصين الكويت في منطقة ليس مستبعداً أن تتعرض إلى عواصف في المستقبل القريب!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن