بين ترامب وإيران ... ما ذنب لبنان

1 يناير 1970 05:02 ص

في حواره الطويل مع الزميل مرسيل غانم، قدّم الرئيس سعد الحريري، المكلف تشكيل الحكومة اللبنانية، كلّ ما يستطيع تقديمه من اجل تسهيل إيجاد حكومة تحظى بغطاء شعبي من جهة وتستطيع تقديم شيء للبلد من جهة اخرى. ولكن ما العمل مع طرف يعتقد انّه قادر على تأخير تشكيل الحكومة من اجل استرضاء «حزب الله» وايران من دون اخذ في الاعتبار للوضع الاقتصادي المتدهور؟
كلّ ما يقال عن ان العقدة المسيحية - المسيحية تؤخر تشكيل الحكومة اللبنانية صحيح. اقلّه ظاهرا. هناك من يعتقد انّ المطلوب حصر التمثيل المسيحي بما يسمّى «التيار الوطني الحر» الذي يرأسه جبران باسيل. بكلام أوضح، يريد باسيل الغاء «القوات اللبنانية» التي لديها 15 نائباً في مجلس النوّاب، إضافة الى انّ لديها اتفاقا في غاية الوضوح بالنسبة الى تقاسم الحصص المسيحية في الدولة مع «التيّار الوطني الحر».
من لديه ادنى شك في ذلك، يستطيع العودة الى اتفاق معراب الذي وقعه فريق رئيس الجمهورية ميشال عون مع «القوات اللبنانية» برئاسة سمير جعجع، وهو الاتفاق الذي أوصل عون الى موقع رئيس الجمهورية. اصبح عون رئيسا بعد اقتناع «تيّار المستقبل» انّ لا خيار آخر غير خيار ملء الفراغ الرئاسي وان لبنان في حاجة الى رئيس للجمهورية. ايّد الحريري انتخاب عون من زاوية يقينه بانّ في الإمكان التوصّل الى تسوية مع الرجل، فضلا عن ان ثمّة حاجة الى انتظام العمل في مؤسسات الدولة. هناك حاجة الى ذلك في ظلّ ازمة داخلية، على كلّ المستويات وفي ظلّ تحديات إقليمية لم يشهد لبنان مثيلا لها، حتّى في عز الحرب الاهلية بين العامين 1975 و1990.
ينسى جبران باسيل امراً في غاية الاهمّية والبساطة في الوقت ذاته. هذا الامر هو انّ الحريري لا يزال رئيسا لمجلس الوزراء، رغم ان حكومته حكومة تصريف اعمال. في استطاعته الاستمرار في رئاسة هذه الحكومة الى يوم القيامة. ليس ما يجبر الحريري على تشكيل حكومة غير توافقية تستجيب لطلب الجنرال قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري الايراني. سارع سليماني الى الإعلان، بعد ظهور نتائج الانتخابات اللبنانية التي أجريت استنادا الى قانون عجيب غريب لا علاقة له بالمنطق والتقاليد الديموقراطية، ان ايران صارت تمتلك اغلبية برلمانية في لبنان.
يتلخّص ما هو مطروح في لبنان في ضرورة تشكيل حكومة وفاقية تؤمن حماية للبلد. هذا ما حاول الحريري شرحه بكل صراحة وشفافية بعيدا عن أي نوع من العقد. كشف رئيس الوزراء المكلّف من يعرقل حقيقة تشكيل الحكومة ومن يتحمّل مسؤولية هذه العرقلة التي تضع لبنان على شفير الهاوية.
هذا ليس وقت تصفية الحسابات مع «القوات» ومع وليد جنبلاط ومع الدروز عموما، كما يفعل النظام السوري في السويداء ومحيطها. هذا وقت تأكيد ان صفحات الحروب اللبنانية وحروب الآخرين على ارض لبنان طويت. هذا وقت القول لإيران ان الحكومة يشكلها الرئيس المكلف بالتعاون مع رئيس الجمهورية وان لبنان ليس ورقة إيرانية تستخدم في المواجهة مع الولايات المتحدة. مشكلة ايران مع الولايات المتحدة ومع إدارة ترامب ليست مشكلة لبنانية.
من حقّ اللبنانيين القول لكلّ من يعنيه الامر انّه ليس طبيعيا ان يدفعوا ثمن ما ارتكبه الاميركيون من أخطاء، في عهد باراك أوباما وقبل ذلك في عهد جورج بوش الابن. سلّم بوش الابن العراق على صحن من فضّة الى ايران في 2003، فيما اعتبر أوباما ان الملفّ النووي الايراني يختزل كلّ أزمات الشرق الاوسط وان لا بأس اذا اُطلقت يد ايران في المنطقة من اجل التوصل الى اتفاق في شأن ملفّها النووي صيف 2015. ما ذنب لبنان اذا جاءت إدارة أميركية تعرف جيدا ما هو النظام الايراني وما الدور الذي لعبه «في دعم الإرهاب منذ 1979»، على حد تعبير جون بولتون مستشار الامن القومي الاميركي.
من حق اللبنانيين ان تكون لديهم حكومة تعمل من اجل استعادة الكهرباء والمياه وان تعالج مشكلة النفايات والطرقات والمطار وكلّ ما من شأنه إعادة الحياة الى بيروت بدل عزل المدينة والسعي الى تصحيرها وجعل أي مواطن عربي يريد المجيء اليها او الاستثمار فيها يتردّد في ذلك.
هناك محاولة واضحة لجعل لبنان ورقة إيرانية، بين أوراق أخرى تحاول طهران لعبها في مرحلة ما قبل تشديد العقوبات عليها في نوفمبر المقبل. ليس من مصلحة لبنان الدخول في لعبة من هذا النوع لا يمكن الّا ان ترتد عليه عاجلا ام آجلا. من مصلحة لبنان قراءة موازين القوى الإقليمية جيدا وفي العمق. هناك من دون شكّ انقسام عمودي في البلد بين من يراهن على النظامين الايراني والسوري وبين من يراهن على لبنان واللبنانيين وقدرة البلد على التقاط أنفاسه. هناك ما يكفي من الهموم اللبنانية للابتعاد عن الرهانات الخاسرة.
من المفترض تسمية الأشياء باسمائها وامتلاك ما يكفي من الشجاعة للاعتراف بان رفيق الحريري كان الشخص الذي أعاد الحياة الى بيروت تمهيدا لجعل التجربة الناجحة تعمّ كل لبنان. كان في لبنان كهرباء في 1996 وذلك قبل عملية «عناقيد الغضب» التي ركزت فيها إسرائيل على تدمير محطات الكهرباء. لم يعد سرّا لماذا اغتيل الحريري او من يقف وراء الجريمة التي استهدفت اغتيال لبنان. هل من ملحق في 2018 لتلك الجريمة، ملحق واجهته أولئك الذين يضعون العراقيل في طريق تشكيل الحكومة؟