أماكن / في رحاب مولانا «1 من 2»

1 يناير 1970 09:41 ص
| جمال الغيطاني |
أقدم ما ينتمي الى ذاكرتي... «بصرية، أو سمعية، أو شمية»، أو صور مبهمة تستعصي على التفسير... يرتبط بأبي وأمي، أبي الكادح، الذي جاء من قريتنا في الصعيد، «جهينة» التي ولدت بها الى القاهرة... بحثا عن الرزق بعد أن ضاقت به الأرض بما رحبت في الصعيد.
لم تتح له فرصة انهاء تعليمه في الأزهر كما تمنى واستهدف في بداية سعيه... الا أن يتمه المبكر، فقدانه الأب وهو ابن عامين، والأم وهو ابن ستة أعوام.
أدى الى مواجهته الحياة وحيدا، فردا، طمع أقاربه في قطعة أرض تتجاوز الفدان ونصف، وتلك مساحة كبيرة بمقاييس الوقت في عشرينات القرن الماضي، وكأن تمسكه بها أحد أسباب هجاجه الى القاهرة، الى مصر كما يسميها أهالي الصعيد والوجه البحري، وعندما نزلها اتجه الى سيدنا الحسين، حفيد الرسول الكريم، الذي قُتل من أجل الحقيقة في كربلاء، وأصبح سيدا للشهداء عند المسلمين كافة... مبجلا عند المصريين، الذين عبدوا الاله أوزير، الذي استشهد في صراعه مع شقيقه اله الشر ست، وتناثرت أجزاء جسده الى اثنين وأربعين موضعا، بعدد مقاطعات مصر القديمة.
وسعت زوجته الوفية ايزيس تلملم أشلاءه... منه انجبت ابنهما حورس الذي ينتسب اليه ملوك مصر القديمة... فكرة الاستشهاد من أجل الانسانية من أجل فكرة عادلة، مضمون روحي أساسي في مصر، لذلك تقبلت مصر المسيحية واعتنقتها ومنحتها مضمونها الروحي.
هكذا نشأت الكنيسة القبطية، وعندما اعتنقت مصر الاسلام... أحب المسلمون «آل البيت»... بخاصة سيدنا الحسين، رغم أنهم ليسوا شيعة، لا يوجد فرد من آل البيت الا وله ضريح في مصر، سواء كان حقيقيا، يضم رفات صاحبه، أو رمزيا... الى سيدنا الحسين يتجه المصريون، واليه اتجه أبي، فبجوار ضريحه يشعر الغريب بالأمن، ويجد الضعيف ملاذا وعونا وقد ورثت عن أبي تعلقه بالحسين وآل البيت، فتحت عيني على الدنيا في منزل صغير متواضع فوق سطح بيت مرتفع، منه كنت أرى مئذنة المسجد السامقة.
فجر كل يوم... يستيقظ الوالد، في ليالي الشتاء، قارسة البرد، أو في الصيف الحار، لا فرق، من مرقدي الدافئ أصغى الى خطواته، الى خرير الماء، اذ يبدأ الوضوء، لم يحل بينه وبين أداء الصلاة في مسجد الحسين الذي كان يقع على مسيرة خمس دقائق طوال عمره الا المرض الشديد، قبل الخامسة كنت أطلب صحبته، فيقول:
«صل في البيت... وعندما تكبر اصحبني الى صلاة الفجر...».
يعود من صلاة الفجر... حاملا افطارنا، طبق الفول الشهي من بائع شهير اسمه «أبوحجر»... كان يقف قرب الباب الرئيسي للمسجد، يخرج المصلون ليشتروا منه الفول، ومن «المالكي» اللبن الحليب الدسم، ومن «السني» الخبز الساخن الجميل، نستيقظ وبعد أن نغتسل، نتحلق حول المائدة، ربما أول ما تلقيته من تعليمات.
«قل بسم الله الرحمن الرحيم أولا... قبل كل شيء...».
النطق باسم الله يبعد الشيطان، ويقصي الشر، ويطرح البركة في الطعام، والرزق قبل أي اتفاق، قبل أي رحيل قصيرا أو طويلا، قبل الشروع من الأفضل دائما ذكر اسم الله، قبل دخول الغرف المظلمة يكفي التلفظ باسم الله لتطرد العفاريت والأرواح الشريرة... يقول الوالد، أو الوالدة رحمهما الله:
«كل من أمامك... ولا تحف...»
أي يجب أن نراعي من يأكل معنا، ذلك أننا كنا نأكل من ماعون واحد... عرفت طريقي الى ضريح ومسجد سيدنا الحسين مع الوالد مرتين في العام، الأولى في العيد الصغير الذي نفطر فيه بعد صيام شهر رمضان، والثاني العيد الأكبر، «عيد الأضحى».
كنت أنام مبكرا محتضنا ملابسي متطلعا الى الصباح الباكر... حيث أصحب أبي لصلاة العيد، بالتحديد في مسجد الحسين، يفيض هذا المكان بالضوء والسكينة، السجاد الأحمر الياقوتي الذي يفرش أرضه، والأخضر الخصب الذي يصبغ غطاء الضريح، ولون الرخام الأبيض المشرب بحمرة، وألوان الخطوط التي تكون الآيات القرآنية المعلقة الى الجدران، اضافة الى زرقة السماء القاهرية، انها الألوان الأساسية في ذاكرتي، بمخيلتي الأولى تصورت الحسين شابا جميلا يتطلع الى الأمام، بشر لكن في وضع تمثال منحوت باتقان وعلى وجهه تعبير فيه حزن، وفيه أسى، وصفاء أيضا.
ربما كان ذلك التصور بتأثير رسم شعبي يباع على أرصفة المساجد حتى نهاية الستينيات من القرن الماضي، صورة رسمها فنان شعبي مجهولة لسيدنا علي بن أبي طالب يجلس متوسطا نجليه الحسين عن يساره والحسن عن يمينه، وصورة أخرى لأبينا آدم وأمنا حواء، وصورة لسيدي أحمد البدوي وسيدي عبدالقادر الجيلاني أحد أقطاب الصوفية وصورة للبراق الذي أسرى به الرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام الى السماء، حصان يجنح، له رأس انسان جميل الصورة، أنثوى الحضور.
وصورة للمحمل عند خروجه من مصر قاصدا مكة يحمل كسوة الكعبة، وهدايا مصر الى أهل الحجاز وفقراء الحجاج... استمر وجود هذه اللوحات حتى نهاية الستينات، واختفت تماما في السبعينات مع بدء ظهور تيارات التطرف الديني، وعندما زرت تونس في العام خمسة وثمانين وجدت هذه اللوحات تباع على رصيف جامع الزيتونة، ولا أدري اذا كانت موجودة حتى الآن أم اختفت أيضا، عندما رأيتها تذكرت وقفة أبي أمام تلك اللوحات وشرحه لما نرى.