سيكون آخر همي في هذا المقال هو الاهتمام بالأسلوب الأدبي الرفيع... في الواقع هناك أشياء أكثر أهمية تشغلني مثل الأزمات الاجتماعية والنفسية لجزء من الشباب وهم «البدون»، الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن العمل على إصلاح أوضاعهم وهم يجرون من أنوفهم بطريقة حادة تتعلق بأوضاع الزواج، والإحباط والعنف والاغتراب والبطالة وفقدان المشروع والهدف من الحياة.
لعله أصبح مما هو معلوم في السياسة بالضرورة هدر مناقشة استحقاق أو عدم استحقاق «البدون» للتجنيس، ولكن من الظلم ألّا نتناقش حول أنهم كشباب ومرحلة عمرية مستحقين للمساعدة والتطوير والأخذ بأيديهم، كونهم الفئة الأكثر حرماناً وتهميشاً والأقل حظاً بفعل الظروف الأسرية والسياقات المجتمعية والقوانين في الدولة.
نحن هنا أيضاً لا نناقش تدبيرات الجهاز المركزي لـ«البدون»، حول ما يراه نحو هذه الفئة، والتي -لسبب أو لآخر- أطلق عليها المقيمون بصفة غير قانونية، ولكننا نشير إلى أهمية وجود صناديق من القطاع الخاص والأهلي والخيري، أو من برامج الشباب الدولية والعالمية ووكالات الأمم المتحدة الشريكة معنا، لإقامة منصات تلعب أدواراً تنموية مع الشباب «البدون» تحديداً لتنفيذ أفكار إبداعية وخلق فرص عمل وتنفيذاً لباب المسؤولية الاجتماعية تجاه أقدم مشكلة اجتماعية خلقت مع تأسيس هيكلة الدولة، ومحاولة وإدماج اجتماعي من أجل تحقيق قِيم مثل العدالة والتضامن والكرامة الإنسانية والاحترام المتبادل.
أحاول أن أقول إنه ليس المطلوب من الدولة إعطاء فرص وخدمات للشباب «البدون» ولكن الكف عن إعاقة انطلاقتهم سيكون كافياً وهم سيصنعون فرصهم بأنفسهم.
لا يمكن في بلد الإنسانية أن نغض الطرف عنهم معتبرين أن الموضوع برمته يتعلق بالتجنيس ومميزات مادية، ومتجاهلين للمناشدات السنوية التي تطلب الأموال من أجل تعليم فتاة أو شاب «بدون» متفوق في كل شيء عدا هويته !
وليس في هذا النداء دعوة لعرقلة عمل من يعتقدون أن تقديم التسهيلات لـ«البدون» هو تعزيز لبقائهم وتفاقم المشكلة، ولذلك اتخذوا إجراءات نحو التعليم والتطبيب والزواج والسفر. ولكنها دعوة لتوسيع خيارات شباب «البدون» أنفسهم لكي يقرروا البقاء أو الرحيل بعد إكسابهم مجموعة من المهارات التي تساعدهم في أي مكان في العالم، ثم بعد ذلك يختارون لأنفسهم ولأهاليهم ما إذا أرادوا الاستمرار في نضالهم نحو التجنيس أو الرحيل إلى مكان آخر تتسع فيه خياراتهم أكثر.
أمنياً... إنها دعوة للخنق أكثر من خلال توسيع الأفق والوعي لدى الشاب «البدون» وما يمكن أن يفعله أو يصيره، ما يجعله يكتشف إمكاناته ويبحث عن مكان آخر، أو يقرر البقاء مع الاحتفاظ بالحد الأدنى الذي يبعده عن الجريمة أو التفكير بالانتحار!
اجتماعياً... إنها دعوة للأخذ بيد الشباب «البدون» الذين يشبهوننا جداً إلى درجة عدم التفريق أحياناً في العادات والتقاليد والمعتقدات والقيم.
اقتصادياً... دعوة لتحسين الأوضاع المعيشية من خلال التركيز على نقطة القوة بين ضعفين في أسر «البدون» وهم الشباب الأكبر من الصغار والأقوى من الكبار.
سياسياً... إحداث فارق اجتماعي بسيط يسمح بتقليل متاجرة الخطاب السياسي بحقوقهم.
تنموياً... دعوة لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية الحالية ومحاولة رسم مسار لطبيعة النظر إلى فئة شباب «البدون» ليس كونهم «مشكلة» من مشاكل التجنيس والهوية ومعدلات الجريمة فقط، وليس كونهم «ضحية» للفقر والعوز والظروف، ولكن النظر لهم أيضاً على اعتبارهم «إمكانية» يمكن العمل معها وتطويرها وتنمية قدراتها وتوفير مساحات لها بعيداً عن رأينا الخاص في تجنيسهم من عدمه، وبعيداً عن تحيزاتنا الاجتماعية ومواقفنا الشخصية.
ما الذي نحصل عليه عندما نستمر في تجاهل أهمية الاستثمار في هذه القضية، وما الذي نحصل عليه عندما نجعل الشباب «البدون» يعيشون ما بين الانسحاب الكلي من المجتمع أو الخضوع الكلي للقوانين مع حالة نفور وشعور بالمظلومية.
وفي النهاية لا يسعني سوى قول الأستاذ الفاضل شعبان عبدالرحيم...«بس خلاص»!
@moh1alatwan