واشنطن - وكالات - بعد صراع مرير مع سرطان الدماغ لنحو سنة، توفي السيناتور الجمهوري الأميركي جون ماكين، ليل أول من أمس، عن عمر 81 عاماً، وهو الطيار السابق الذي عانى التعذيب خلال حرب فيتنام وأحد الوجوه غير التقليدية في السياسة الأميركية الذي «أحبط» البيت الأبيض على الدوام، وأبرز خصوم ومنتقدي الرئيس دونالد ترامب الذي اكتفى بتقديم تعازيه في تغريدة مقتضبة.
وأعلن مكتب ماكين، في بيان، أن عملاق السياسة الأميركية المتمرد والسيناتور الجمهوري البارز فارق الحياة «محاطاً بزوجته سيندي وعائلتهما»، مضيفاً أن بطل الحرب السابق الذي يحظى باحترام كبير في بلاده «خدم الولايات المتحدة الأميركية بإخلاص لمدة 60 عاماً».
وكانت عائلة ماكين أعلنت في وقت سابق أنه قرّر التوقّف عن تلقّي العلاج من «الغليوبلاستوما»، وهو نوع من سرطان الدماغ شديد الخطورة نسبة النجاة منه متدنية للغاية، كان يعالج منه منذ يوليو 2017.
وفوق مبنى الكونغرس، نُكّست الأعلام تكريماً لماكين الذي سيسجى جثمانه في باحة مبنى الكونغرس قبل مراسم جنازته في كاتدرائية «ناشونال كاثيدرال»، على أن يوارى في الأكاديمية الحربية في انابوليس بولاية ميرلاند.
وعلى الفور، توالت ردود فعل الطبقة السياسية الأميركية تكريماً لذكرى ماكين، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية أريزونا، الذي كان من ركائز الحزب «الجمهوري» والذي أغضب الكثيرين، بما في ذلك داخل دائرته السياسية، ولكنه لم يخسر يوماً تقدير الأميركيين لإخلاصه الوطني.
واكتفى ترامب، الذي كان على خصام علني مع ماكين، بتقديم تعازيه في تغريدة مقتضبة لم يذكر فيها بتاتاً حياة ماكين أو مساره السياسي، وكتب «أقدم تعازيّ وأصدق احترامي لعائلة السيناتور جون ماكين. قلوبنا وصلواتنا معكم!».
من جهته، قال الرئيس الديموقراطي السابق باراك أوباما، الذي هزم ماكين في الانتخابات الرئاسية في 2008، إن «جون وأنا كنا ننتمي إلى جيلين مختلفين... تواجَهنا على أعلى مستوى في السياسة، لكننا تَشاركنا ولاءََ لما هو أسمى، للمُثل التي ناضلت وضحّت من أجلها أجيال كاملة من الأميركيين والمهاجرين».
كما أصدرت غالبية أفراد الطبقة السياسية، الحاليين والسابقين، بيانات عدّدت فيها بعضاً من مآثره، فأشاد الرئيس الأسبق الجمهوري جورج بوش الابن بـ«رجل ذي قناعة عميقة ووطني لأعلى درجة»، فيما لفت الرئيس الديموقراطي الأسبق بيل كلينتون إلى أن ماكين «غالباً ما وضع الانتماء الحزبي جانباً» من أجل خدمة البلاد.
بدوره، دعا زعيم الأقلية الديموقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر إلى إطلاق اسم جون ماكين على مبنى في الكونغرس حيث كان مكتبه.
ولد جون سيدني ماكين (الثالث) في 29 أغسطس 1936، واستهل مسيرته الدراسية من مدرسة داخلية في منطقة واشنطن حيث عرف عنه أنه كان طالباً جامحاً، ومولعاً بالتشاجر.
وبدأ الشاب، الآتي من عائلة من العسكريين حيث كان والده وجده أدميرالين بأربعة نجوم في البحرية الأميركية ويحملان كذلك اسم جون ماكين، حياته العسكرية كطيار حربي.
وأسقطت النيران المعادية طائرته خلال مهمة قتالية فوق فيتنام في 1967، وأمضى 5 سنوات ونصف السنة في الأسر منها سنتان في الحبس الانفرادي، وتعرض مراراً للضرب والتعذيب مما ألحق به عاهة مستديمة، وأصبح لاحقاً طوال حياته السياسية من أشد معارضي التعذيب، منتقداً بشدة «وكالة الاستخبارات المركزية» (سي آي إي) لعمليات الاستجواب «المشددة» التي أجرتها في عهد جورج بوش الابن.
وعمل لحساب موزع للبيرة في أريزونا، هو والد زوجته الثانية سيندي، عندما انخرط في العمل السياسي.
وانتخب في 1982 عضوا في مجلس النواب وأمضى ولايتين، ثم انتخب في 1986 عضواً في مجلس الشيوخ، واحتفظ بمقعده منذ ذلك الحين، وواجه أصعب انتخابات تشريعية في نوفمبر 2016 إذ لم يغفر له قسم من الناخبين المحافظين انتقاداته لدونالد ترامب.
وخسر ماكين الذي عرف بصورة جمهوري مستقل يبدي آراءه بصراحة، في الانتخابات التمهيدية لحزبه في 2000 أمام جورج بوش، ثم عاد وفاز بالترشيح الجمهوري للانتخابات الرئاسية في 2008، لكنه هُزم أمام باراك أوباما، وبقي بعد ذلك في مجلس الشيوخ حيث قضى ثلاثين عاماً.
وماكين من أنصار نهج التدخل في السياسة الخارجية، مقتنعاً بأن من واجب أميركا الدفاع عن قيمها في العالم، وكان من أشد أنصار حرب العراق، ومن الدعاة لدور عسكري أميركي قوي في الخارج.
وأدت هذه المواقف إلى تهميشه سنة بعد أخرى في حزب جمهوري بات يرغب في إعادة تركيز عمله على الأولويات الداخلية، لكنه كان يدعو باستمرار إلى زيادة الموازنة العسكرية، وترأس حتى وفاته لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ.
دافع عن كثير من القضايا خلال حياته، من أبرزها إصلاح نظام الهجرة وقانون التمويل الانتخابي.
ويُعد ماكين أحد أبرز معارضي سيد البيت الأبيض منذ سنة 2000، سواء كان جمهورياً أو ديموقراطياً، فهو أفشل مشاريع عدة تتعلق بالضرائب قدمتها إدارة جورج بوش الابن و«الحزب الجمهوري»، إلا أنه وافقه على حرب العراق، وكان من أبرز المؤيدين لهذا القرار، قبل أن يعلن أخيراً أن الحرب كانت خطأ.
ووجه ماكين انتقادات لاذعة لإدارة أوباما بشأن تعاملها مع الأزمة السورية ودعاها الى انتهاج استراتيجيات محكمة في التعامل مع ملف أفغانستان وتنظيم «داعش».
كما كان معارضاً بارزاً لسياسات ترامب، وبعدما انتقد الخطاب العنيف لترامب تجاه الهجرة غير الشرعية، أبدى ترامب استخفافه بالتاريخ العسكري لماكين قائلا إنه يفضل «الأشخاص الذين لم يقعوا في الأسر».
ورغم علاجه الذي حتم عليه التغيب عن واشنطن منذ ديسمبر، بقي ناشطاً سياسياً بشكل نسبي، وفي صيف 2017، تحدى ترامب حين صوّت ضد إصلاحه لنظام الضمان الصحي.
وكان ينتقد علناً الرئيس من غير أن يخفي يوماً ازدراءه لسلوكه وأفكاره، ووصفه بأنه «نزق» و«غير مطلع».
وفي مذكراته الصادرة في مايو 2018، ندّد مرة جديدة بتودّد ترامب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي جابهه ماكين من مقعده في مجلس الشيوخ ووصفه بـ«القاتل والمجرم».
وكانت إحدى رغبات ماكين الأخيرة واضحة بجلاء تام، حين أعلن رفض أن يحضر ترامب جنازته.
ومن الأوسمة التي تقلدها ماكين 3 من ميداليات النجمة البرونزية ونال وسام القلب الأرجواني مرتين ووسام الاستحقاق مرتين ووسام النجمة الفضية وصليب الطيران المتميز.