اسمه طارق... هكذا أسمته أمه حتى قبل أن يولد، وعندما تعرَّفْتُ عليه غيَّرْتُ اسمه إلى «عقاب»... أعز أصدقائي على الإطلاق، حتى نزغ الشيطان بيننا.
على الرغم من كثرة شبكات التواصل الاجتماعي حولنا، والتي خلقت علاقات وكوّنت صداقات وأعطتنا لمسة من التماسك المحيط بنا، إلا أنك تسمع عن خصام وقطيعة بين أصدقاء أو أهل أو موظفين من الإدارة أوالقسم نفسه، وذلك بسبب سوء فهم بينهم كان سببه الحقيقي أن أحدهم قرر أن يبتلع لسانه ولا يسأل الآخر... ماذا تقصد بهذه الكلمة؟ أو لماذا تصرفت بهذا الشكل؟ أو لماذا لم تعد حاضراً بيننا كما كنت؟
يركّز الشيطان الرجيم على تضخيم تأويل أفعال الآخرين بالنسبة إلينا، خصوصاً عندما يصبح المسكوت عنه بيننا أكثر من المنطوق به.
يلعب الشيطان ويسرح ويمرح مع غنم الأفكار ويغذيها في مساحة بقدر المسافة المسكوت عنها بين الناس... الزوج والزوجة في البيت، الصديق وصديقه في الديوانية، الأب وأبناؤه حتى ولو كانوا في الحج، والأم وأخواتها في زوارة الخميس، والموظف ومديره في المؤسسة، والشعب وحاكمه في الدولة.
يبني الشيطان وسوسته بشكل كامل على المساحات التي ينعدم فيها الحوار أو يكون في حده الأدنى مختصراً لا يعبر ولا يوضح ولا يوصل ما انقطع، ويعتمد كلياً على منطق نرجسي وانكفاء على الذات، كاستقراء الديك للتاريخ والذي اكتشف أن الشمس لا تشرق إلا عندما يصيح، من دون أن يسأل قدماء الدجاج حوله ولو لمرة واحدة... «هل أشرقت الشمس وأنا في البيضة؟».
كلما زادت مسافة المسكوت عنه، نما العشب الضار على قارعة الطريق، وزادت مساحة الشيطان والجهل والجاهلية والظن. ولأن بعض الظن إثم، حاول من قبلنا التغلب على هذا الشيء ووضعوا لأنفسهم قاعدة رواها ابن عساكر في تاريخه عن محمد بن سيرين - رحمه الله قال: «إذا بلغكَ عن أخيكَ شيءٌ فالتمسْ له عذراً، فإنْ لم تجدْ له عذراً فقلْ: لعل له عذرٌ».
وذكر محي الدين بن عربي قاعدة تقول: «الوارد الذي يرد من تغير المزاج لا يعول عليه».
جاء الموظف إلى العمل متأخراً في الأسابيع الثلاثة الأخيرة على غير عادته طوال ست سنوات. تغير مزاج مديره نحوه، واعتقد أنه دخل مرحلة الاستهتار وهدر المال العام وتقليل الإنتاجية وقائمة طويلة تليق بتقرير في ديوان المحاسبة. فقط لو سأله أو فتح حواراً، معه لعرف أنه في حال سيئة بسبب مراجعات مع أمه في المستشفى لاشبتاه في السرطان. (قصة حقيقية).
عزيزي القارئ، إن عبوس صديقك أمامك، أو انقطاعه عنك، لا يستلزم منك بناء تصورات وأحكام وظنون بقدر ما يستلزم أن تقفز على ظنونك وتتوقف عن بلع لسانك وتقلل المسافات وتكسر السكوت وتسأله عن حاله، وما الذي أصابه؟
بمجرد أن نبتلع ألسنتنا، حتى تتحول أعيننا وأفكارنا إلى فيلم تم إعداد نصه وطاقم تمثيله بعناية مع كاميرا دائماً تصور أخطاء الأداء، بينما يخرج الممثلون ألسنتهم للجمهور... وهكذا هو الوضع دائماً، يخرج الشيطان لسانه... عندما نقرر أن نبتلعه نحن حفاظاً على المسافات التي تمنع الزوج من أن يحاور زوجته، والأب من محاورة أبنائه... وهي المسافة ذاتها التي بلعت فيها لساني لينزغ الشيطان بيني وبين أعز أصدقائي...
قصة قصيرة:
أنا آسف يا صديقي... اعتذار متأخر خمس سنوات.
كاتب كويتي
@moh1alatwan