خواطر صعلوك

السلام عليكم... وخذ عشر حسنات!

1 يناير 1970 11:06 ص

مخطئ من يعتقد أن مرور الربيع العربي علينا هو مرور رجل في الشارع على رجل يعتلي الرصيف، ليقول له الأول «السلام عليكم»، فيرد الأخر بـ «وعليكم السلام»، وينتهي المشهد ويذهب كل شخص إلى بيته بعشر حسنات.
لقد كان مرور الثورات، مروراً نهب تقريباً نصف وعي قطاع الشباب، سواء المهتمين بالسياسة أو المهتمين بالرياضة أو حتى المهتمين بالجنس الآخر، وكذلك المهتمين بتكفير الآخر.
وقد تزامن ذلك مع انفجار معلوماتي جعل هذا القطاع الشبابي محاطاً بالشبكة الإلكترونية حتى أخمص قدميه وبلا جوارب، فأصبح المجتمع المدني والاعتراض السلبي والفعل الاحتجاجي... كله يدار عبر «تويتر» و«فيسبوك».
إذا كانت ثورات الربيع العربي قد تحولت إلى خريف دموي أمامنا على الشاشات، فهو خريف أخذنا من تلابيبنا كشباب بخصائص عمرية تسمح لهم بالتجربة والخطأ، لنتعلم ألا نتعلق بالأشخاص، وبأن الأوطان ليست مجموع مؤسساتها، ولكنها مجموع حكاياتها، وأن فساد اليوم هو فناء حكاية الغد، وأن تقديم البديل كمبادر بالفعل أفضل من طرح الحلول كمثقف بالقول والتغريد، وليس للإنسان إلا ما سعى.
لم نكن نملك النتيجة، ثم بعد ذلك بحثنا عن البراهين. منذ سنوات طويلة والتاريخ يجدد نفسه بشكل أو بآخر أمامنا، حتى بتنا متأكدين أن المشكلة تتعلق بأنفسنا وليس بأحد آخر. فبقدر ما كان الخلل في الأنظمة، كان في الشعوب أيضاً، والثورة وحدها غير قادرة على تحقيق الفصل الحاد والحاسم للانفصال عن كل سابق، خصوصاً عندما يكون روادها رجالاً يجيدون الكلام ولا يجيدون العمل، منتجين لخطاب خيالي حول السلطة، جعل البحار السبع فراشاً زئبقياً يحمل 45 في المئة من لاجئي العالم هم عرب ومسلمون، ونتائج لم تكن على مقاس الأمل والتضحيات.
وإذا كان آباؤنا قد عاصروا انتقال الخطاب من القومية إلى العولمة، فها نحن نتفاعل مع خطاب جديد لا ندري إلى أين يأخذنا، ولكننا أصبحنا أكثر تمييزاً (أو هكذا ينبغي) أن نكون، بين رجل يحدثنا عن رؤية مزرعة وبين رجل يداه ملطختين بالطين ويطلب منا المشاركة، وأصبحنا مترددين جداً تجاه المصابين بالسعار الوطني الذين يقصون كل من خالفهم.
نحن بحاجة إلى الذين يفكرون في بناء الجسور أثناء السقوط، وفي زراعة الغابة المشتعلة أثناء طلب الآخرين لطفاية الحريق، الذين ينظرون إلى الناس كقدرات متنامية بشرية، وليسوا حتميات تاريخية وعلمية واقتصادية وعرقية.
قولهم هو عملهم، وعملهم هو قولهم، غير المنتمين إلى الذين يتكلمون في كل شيء ويعرفون كل شيء ليتحفونا بكلام بعضه فارغ ونصفه الآخر أكثر فراغاً.
نحن بحاجة إلى مثل هؤلاء من أجل تحديد بوابات الخلاص في الدنيا، هذه البوابات التي تظهر لك في أبهى صورها عندما تكون أنت أيها القارئ المعني بها، وليس جارك.
نعم عزيزي القارئ، فأنا أخاطبك بشكل مباشر وبلا مضيعة لوقتك الثمين، والذي خصصته مشكوراً للقراءة.
إذا لم تكن أنت المعني بهذا الكلام، فستكتشف أن بوابات الخلاص فتحت أبوابها على جدار... «والكل راح يدش بالطوفة» للمرة الواحدة بعد الألف!
اما أن تعمل أنت للتغيير الإيجابي في واقعك وبيتك وعملك ودوائر من تعرفهم، محتسباً عملك لوجه الله فقط... وإلا، فأحب أن أبلغك أن الجدار بسمك كل الظلم والفساد الذي ظهر في أيدي الناس حولك وفي أيدي كل الذين أعطيناهم الوكالة لإدارة حياتنا.
وإن كان مثل هذا المقال يبدو أنه لا يليق بالعمق الذي يبحث عنه القارئ في موضوع مثل هذا، ففي الواقع هو ليس بالعمق الذي تبحث عنه، لأننا أصبحنا نعيش في زمن أصبح من السهل أن يفكك عالم الذرة في المختبر، ولكنه لم يعد قادراً على تفكيك خطاب الهدر والهدم في المجتمع، وأطلب منك العفو إذا رأيت في هذه المقاربة عملية جلد للذات لن تزيدك إلا هما... فاعتبرني رجلاً مر عليك وقال لك «السلام عليكم»، فرددت عليه بـ «وعليكم السلام»... وخذ عشر حسنات.

كاتب كويتي
moh1alatwan@