هل تعلم أن مناجاة الله عزّ وجل في جوف الليل هي من أعظم العبادات ووسائل التقرب إلى الله عزّ وجل، وهي علامة رضا وحب الله للعبد؟ لو تفكرنا قليلا لشعرنا بجوانب التقصير التي نحن فيها في علاقتنا مع الله عز وجل بسبب الانشغال بالدنيا. ماذا لو تذوقنا جمالية الشعور في لحظة المناجاة؟ هل فكرتَ في خوض هذه التجربة التي ستكون طقسا مهما في حياتك بعد تذوق لذتها؟ لننطلق في البداية في تعريف مصطلح «مناجاة الله عزّ وجل»، باختصار شديد المناجاة هنا هي الإقبال على الله تبارك وتعالى، ومخاطبته بالدعاء والحمد والثناء والتمجيد، والتجرّد من التفكير بالدنيا والناس، وتكون المناجاة في الصلاة بتلاوة القرآن بخشوع تام ومن أعماق القلب، فلا تأتيك الهواجس وأنت تخاطب الله عزّ وجل بالصلاة، ويختلط ذلك مع حديث نفسك المشغولة بالدنيا والناس. فالصلاة لاتتجاوز دقائق فكيف نمهل النفس للتحدث عن هواها في الصلاة؟
ولنأخذ مثلا لتكون الصورة واضحة، ففي الفاتحة أنت تناجي الله عزّ وجل حين تقول قوله الحق: «إياك نعبد وإياك نستعين» هنا خطاب منك للخالق تبارك وتعالى في هذه الآية، فكيف تخاطبه وقلبك مشغول بالدنيا؟ وأعظم مناجاة لله عز وجل ماكان في جوف الليل، لنستمع لقول الحبيب المصطفى الذي قال عليه الصلاة والسلام: «ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، حتى ينفجر الفجر».
وأي شيء أعظم من ذلك؟ حين تغلق أمامك كل الأبواب والنوافذ، وتشعر بضيق الدنيا، وتتراكم عليك همومها وتتعاظم في نفسك، فارجع للخالق في ركعتين في ثلث الليل الأخير، واحصد النتيجة في حياتك من السكينة والراحة النفسية والرزق، ومناجاة الله عز وجل تكون كما أشرت من قبل بمدحه والثناء عليه بقول: الحمد لله.. وما المقصود بالمدح هنا؟ إنه المدح الممتد والواسع على كل شيء منحك إياه تبارك وتعالى، صغيراً كان في نظرك الضيق أو كبيرًا، حاول أن تُعدد كل الأشياء التي حصلت لك في حياتك بفضله تعالى وتقدس، ذكِّر نفسك بها دائما وفي كل لحظة قولا وكتابة لتتيقن عندك حقيقة النعم الوفيرة التي تغفل عنها، وادعوه تعالى وتقدس أن يتولى أمرك، ويأخذ بيدك، وأن يُقربك منه، وأن يرزقك حبه، ويشرح صدرك، ويهدي قلبك، ويثبت ايمانك، ويُجمّل مقامك عنده، واطلبه أن يُعلق قلبك بكتابه العظيم، وأن يُرطب لسانك بالذكر والتسبيح والاستغفار، وما أجمل أن ندعوه بأسمائه الحسنى تفعيلا لقوله الحق في كتابه العزيز: «ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها».
ونتذكر هنا دعاء زكريا، ففي قوله تبارك وتعالى: «إذ نادى ربه نداءً خفيا». فهنا تأكيد وتبجيل لدعاء السِّر بقلب نقي متوجه لله عزّ وجل وحده فقط. وبعد أن تناجي الله تعالى وتقدس، تَحوّل إلى مناجاة قلبك، وفتش عن ضياعه وبعده عن قيم الجمال والجلال والارتقاء الروحي في تعلقه بالخالق تبارك وتعالى. جاء رجل إلى الحسن البصري فقال له: إني أعصي الله وأذنب، وأرى الله يعطيني ويفتح علي من الدنيا، ولا أجد أني محروم من شيء. فقال له الحسن: هل تقوم الليل فقال: لا، فقال الحسن: كفاك أن حرمك الله مناجاته. اللهم ارزقنا حبك، وحب من يحبك، وحب كل ما يقربنا لحبك، اللهم وارزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم.