خيرالله خيرالله / موضوع باكستان صار مطروحاً بكل أبعاده
1 يناير 1970
03:47 م
بغض النظر عما إذا كان هناك طرف باكستاني متورط من قريب أو بعيد في أحداث مومباي، تطرح الأحداث موضوع باكستان بكل أبعاده وأخطاره وتداعياته المحتملة على الأمن الإقليمي وحتى السلام العالمي. ما العمل ببلد يبلغ عدد سكانه مئة وسبعين مليون نسمة نصفهم أمّي، يمتلك نحو ستين قنبلة نووية، وغير قادر على السيطرة على أراضيه، ما العمل ببلد يعتبر خزاناً بشرياً لـ«طالبان»، ويوفر حقول تدريب لـ«القاعدة» ولا تسيطر الحكومة المركزية على كل أراضيه؟
بعد أحداث مومباي، صار في الإمكان القول: أهلا بباراك أوباما في وطنه الثاني، في العالم الحقيقي. تبدو أحداث المدينة الهندية بمثابة لافتة ترحيب بالرئيس الأميركي المنتخب، وجواز لدخول العالم من أحد أبوابه الواسعة، من مومباي، البوابة التجارية للهند وبوابة الهند نفسها. إنه دخول إلى العالم كما هو، من دون أي عمليات تجميل أو تزييف أو مبالغات من أي نوع كان. هذا هو العالم الذي سيعيش فيه ويشارك في تسييره أول رئيس أسود للولايات المتحدة. إنه أيضاً العالم الذي وعد أوباما بتغييره. من سيغير من، هل الرئيس الأميركي الجديد الذي يتسلم مهماته في العشرين من يناير المقبل سيغيّر العالم ، أم أن العالم سيغيّر أوباما عن طريق إغراقه في مشاكل تكبله على رأسها الإرهاب، وقبلها الأزمة الاقتصادية التي انتقلت عدواها من الولايات المتحدة إلى العالم كله بما يؤكد أن العالم صار قرية صغيرة؟
تكمن خطورة أحداث مومباي، التي ستكون لها تداعيات على المنطقة الممتدة من الهند وأفغانستان وباكستان إلى الشرق الأوسط، مروراً بالخليج والعراق، في أنها مجرد بداية. لماذا القول انها مجرد بداية؟ كونها مرشحة لأن تتطور في اتجاهين مختلفين. إما تؤدي إلى تقارب جدي، وفي العمق بين الهند وباكستان يخلق معطيات جديدة بين البلدين وفي أفغانستان نفسها... وإما إلى تباعد بينهما يمهد لحرب غير مباشرة بين قوتين نوويتين معروف كيف بدأت، وليس معروفاً كيف يمكن أن تنتهي، أو متى سيكون ذلك ممكناً ما دام ليس في باكستان دولة مركزية قادرة على السيطرة على أراضي البلد كله، وفرض نفوذها عليها.
ستجد الإدارة الأميركية الجديدة نفسها عندئذ مضطرة إلى تكريس وقت طويل وجهود كبيرة للعلاقات الهندية- الباكستانية في وقت تبدو الحاجة ملحة إلى الانصراف إلى معالجة الوضع في أفغانستان الذي صار جزءاً لا يتجزأ من مشكلة أكبر اسمها باكستان. يتبين يومياً أن هناك مشكلة ضخمة اسمها باكستان، وأن ليس في الإمكان القيام بأي عمل مجد في أفغانستان من دون الانتهاء من باكستان. تبين بالملموس أن «حركة طالبان» باكستانية قبل أن تكون أفغانية، وأن على من يريد التعاطي مع الوضع الأفغاني تفادي ارتكاب خطأ عزله عن الوضع الباكستاني، وعن اللحمة بين قبائل البشتون في البلدين. أي باكستان سنجد أمامنا بعد أحداث مومباي، باكستان القادرة على التفاهم مع الهند، أم باكستان التي تبعث بوعود غير قادرة على الالتزام بها، أي باكستان المتهمة عبر الاستخبارات العسكرية فيها بتفجير السفارة الهندية في كابول، كما حصل في السابع من يوليو الماضي ما أدى إلى سقوط ثمانية وخمسين قتيلاً وعشرات الجرحى؟ كان لافتاً أن مسؤولين أميركيين اتهموا الباكستانيين بالضلوع في التفجير، في تصريحات إلى صحيفة «نيويورك تايمز».
لا وجود لقوة في العالم تستطيع اقناع الهند بأن لا علاقة لأطراف معينة في باكستان بأحداث مومباي، التي تعتبر أقرب إلى حرب تعرضت لها الهند أكثر من أي شيء آخر. كل الكلام الذي صدر عن المسؤولين الباكستانيين يظل كلاماً لا ترجمة له على الأرض بما في ذلك الإعلان عن زيارة محتملة للجنرال أحمد شوجا باشا رئيس الاستخبارات الباكستانية للهند للمشاركة في التحقيق في أحداث مومباي. ما لبثت إسلام أباد أن تراجعت عن الزيارة بما يعكس حال البلبلة التي تسود الأوساط الحاكمة، أو على الأصح غير الحاكمة فيها. صحيح أن الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري سعى في الأسابيع الماضية إلى فتح صفحة جديدة مع الهند وذهب بعيداً في مبادراته الودية تجاه نيودلهي، لكن الصحيح أيضاً أن ما حدث في مومباي، خصوصاً في حال ثبت أن الإرهابيين الذين هاجموا المدينة جاؤوا من باكستان، أو على علاقة بجهات باكستانية، يطرح أسئلة محددة. في طليعة الأسئلة هل في الإمكان الحديث عن مستقبل ما لهذا البلد الذي قام أصلاً ليكون كياناً يحمي مسلمي الهند، قبل تحوله بفضل الاستثمار في المدارس الدينية إلى مصنع ينتج متطرفين بتشجيع من الاستخبارات الأميركية، وبعض العرب للأسف الشديد.
ما سيكون على المحك في ضوء ما حصل في مومباي مستقبل باكستان. ثمة بين المحيطين بباراك أوباما من يعتقد أن الخطأ الأكبر الذي ارتكبه جورج بوش الابن في حربه على الإرهاب كان الانصراف إلى العراق قبل الانتهاء من أفغانستان وباكستان. هل ستكون عودة إلى باكستان وأفغانستان، خصوصاً بعدما سهلت إيران تمرير «الاتفاق الأمني الأميركي - العراقي» في مجلس النواب العراقي مكتفية بالسماح للكتلة الصدرية باعتراض شكلي على الاتفاق؟ ما يمكن قوله في هذا المجال أن كل شيء سيعتمد على مدى قدرة باكستان على اقناع الهند بأنها قادرة على الدخول معها في شراكة في الحرب على الإرهاب والإرهابيين. هذا على الأقل ما يعتقده وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي الذي تحدث عن: «عدو مشترك»، وعن «ضرورة الانتصار عليه عبر شبك الأيدي بين باكستان والهند». يظل الكلام شيئاً والقدرة على التنفيذ شيئاً آخر.
كل ما في الأمر أن أوباما يجد نفسه منذ الآن أمام أزمة في غاية التعقيد تتلخص بسلسلة أسئلة : كيف التعاطي مع باكستان النووية، هل في الإمكان الانتصار على الإرهاب من دون سيطرة الحكومة الباكستانية على أراضيها، وضبطها لجهاز الاستخبارات الذي وفر الرعاية لـ «طالبان» منذ البداية، إلى أي حد في استطاعة الهند، التي فيها مئة وخمسون مليون مسلم، ضبط النفس بعد أحداث مومباي، إلى أي حد ستؤثر أحداث مومباي على الديموقراطية داخل الهند نفسها، وعلاقة الهندوس بالمسلمين؟
مرة أخرى، أحداث مومباي ليست سوى بداية. لم يعد في استطاعة الإدارة الأميركية، أي إدارة أميركية تجاهل الوضع الداخلي في باكستان، ولم يعد في استطاعة الهند البقاء مكتوفة في وقت تتصاعد الدعوات فيها إلى حمل السلاح، ويدعو الهندوس عبر أحزابهم المتطرفة إلى الانتقام من المسلمين. هل هذا ما سعى إليه أولئك الذين يقفون وراء أحداث مومباي؟
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن