في مقالنا السابق تحدثنا عن منهجنا في الحياة، وهو كتاب رب العباد. وننتقل اليوم إلى خطوات الوصول الى معاني كلماته حتى ينتبه قارئ القرآن ويسير في المنهج السليم؛ خاصة بعد كثرة عرض برامج وندوات أثّرت على فكر كثير من الناس.
تدبر كتاب الله تعالى والنظر في معانيه ميسر لكل البشر ومصداق ذلك قوله سبحانه: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)، أي سهلنا القرآن، بيناه وفصلناه للذكر لمن أراد أن يتذكر ويعتبر ويتعظ، وهوّناه؛ فهل من معتبر متعظ يتذكر بما فيه من العبر والذكر؟!
وأيسر الطرق لذلك أن تجعل التلاوة دوماً من مصحف لا تبدله، تقرأ الصفحة مع ما حولها من معاني مختصرة مبسطة للكلمات، واعتبر ذلك قاعدة ثابتة مع وردك المعتاد أوختمتك؛ فالتدبر عملية عقلية تحدث في الذهن لبيان المعنى العام، وهذا جانب يستمر معك ولا ينفك عنك مدى الحياة.
ويأتي جانب دقيق وبطيء وهو التفسير، وهو الربط بين الآيات ومراد الله تعالى منها على وجه التفصيل واستنباط الأحكام وفهم القرآن بصور عميقة؛ فهي عملية ليست بسيطة؛ بل تؤخذ ممن كان مؤهلاً علمياً جامعاً للأدوات التي يدرك بها معنى القرآن، وهو الأخذ بالمصادر الشرعية ثم العقلية المتممة لما صعب الوصول إليه.
من آيات كتاب الله ما تولى الله تعالى بيانه وتفسيره في القرآن نفسه؛ بضم الآية إلى غيرها كآية تبين فرضية الصلاة ثم بيان أوقاتها بصورة مجملة، ومن القرآن ما أوكل بالسنة الجامعة، ثم ترك المشكل من القرآن للعلماء يجتهدون فيه؛ فأحكام الشريعة منها الثابتة بالنصوص الشرعية وهي الآيات والأحاديث، ثم الاجتهاد في الفروع التي لم تتضح أو في المستجدات.
وهذا هو التدرج الوارد في الآية الكريمة: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الذكر وهو القرآن؛ ثم البيان من رسولنا الكريم؛ ثم التفكر في ما لم يتضح من أحكام، أي أن استنباط التشريع لا بد فيه من بيان النصوص، ثم الانتقال إلى الاجتهاد وهو تفسير بالمعقول الذي يجب أن يكون مبنياً على اللغة والعلم والفقه؛ فبذلك يتبين أن عملية الاجتهاد لا يمكن لأي أحد القيام بها، ولذا كان دور الاجتهاد منوطاً لمن له أهلية الحال، ويشترط فيه أولاً شروط ذاتية: فقاهة النفس ويسمى ذكاء فطريا، ففي كثير من الحالات يغيب فيه الذكاء الفطري فيقع في الخطأ، وخاصة في تنزيل الأدلة على الوقائع، هذه الفطنة ليست مكتسبة، ولكن هبة ربانية، مع شروط أساسية مكتسبة، أهمها اطلاع على الكتاب والسّنة، ثم معرفة اللغة العربية، ومعرفة الإجماع حتى لا يقع في خطأ.
فالضابط الأول للتفسير هو الأخذ بالنصوص ثم الاجتهاد لبعض الجزئيات، ولا اجتهاد مع من أخذ القرآن باللغة وهوى النفس؛ فخرج بحكم شرعي يتعارض مع النصوص؛ فلا يجوز أخذ ذلك ممن يفسر بعض الآيات بخلاف ما تقتضيه القواعد الشرعية، أو من يعتمد على الجانب اللغوي فقط والآراء الشخصية، وهو الذي قلب أفكار الكثيرين في هذه الأيام... ونبقى مع مقال #خطوات... (3/3)
[email protected]
@aaalsenan