رهان أميركي على روسيا... في سورية

1 يناير 1970 04:45 ص

تطرح معركة درعا مجموعة من الاسئلة، خصوصا في ضوء التغيير في الموقف الاميركي من تقدّم القوات التابعة للنظام من المدينة القريبة من الحدود الأردنية والتي منها انطلقت الثورة السورية. ليس معروفا ما الذي تبدل حتّى يبلغ الاميركيون الفصائل المسلحة المعارضة للنظام في تلك المنطقة رسالة من بين ما جاء فيها: «نفهم انه يجب ان تتخذوا قراركم حسب مصالحكم ومصالح الاهالي والفصائل. ينبغي الّا تستندوا في قراركم الى افتراض تدخل عسكري من قبلنا او توقع ذلك».
الرسالة التي تلقتها الفصائل التي تدافع عن درعا والمنطقة المحيطة بها، والتي بات الاميركيون يسمونها الجنوب السوري الغربي للتفريق بينها وبين جبهة الجولان الممنوع الاقتراب منها، اكثر من واضحة. يبدو انّ كلّ الكلام الاميركي عن المحافظة على خفض التوتر في الجنوب السوري صار من الماضي. لم تعد من قيمة تذكر للاتفاقات التي امكن التوصل اليها في هذا الشأن بين اميركا وروسيا والأردن. كانت هناك من دون شكّ موافقة إسرائيلية ضمنية على هذه الاتفاقات التي يبدو انّها لم تعد تصلح لايّامنا هذه.
 هناك سياسة أميركية جديدة في ما يخص التعاطي مع سورية، تقوم على تلزيم الجنوب السوري الى روسيا في ظلّ اتفاق أميركي - روسي - اسرائيلي. ليس معروفا هل يستطيع الجانب الروسي الساعي منذ فترة طويلة الى عقد صفقة مع إدارة دونالد ترامب تنفيذ المطلوب منه سورية، أي التخلّص من الوجود الايراني في هذا البلد الذي كان حكامه يزايدون عربيا على كلّ من تسوّل نفسه الكلام عن تسوية ما مع إسرائيل فيما كانوا يتولون بالفعل المحافظة على امنها.
في اساس السياسة الأميركية الجديدة التي بدأت تتبلور، ثمّة رهان على روسيا وقدرتها على اقتلاع إيران من سورية، علما أن الايرانيين والميليشيات المذهبية التابعة لهم تغلغلوا في الوحدات النظامية لجيش النظام وبدأوا يرتدون بذلاته العسكرية. هل هو رهان أميركي في محلّه ام ان روسيا ستتمكن مرّة أخرى من أخذ الإدارة الأميركية الى حيث تريد كما فعل الرئيس فلاديمير بوتين في مثل هذه الايّام من صيف العام 2013؟
في أغسطس من العام 2013، استخدم النظام السوري السلاح الكيميائي في سياق حربه على شعبه. حدث ذلك في محيط دمشق بعد ايّام من كلام الرئيس باراك أوباما عن «خطوط حمر» رسمها لبشّار الأسد في مقدّمها استخدامه السلاح الكيميائي. تدخل الرئيس الروسي ونجح في اقناع أوباما بتفادي توجيه أي ضربة للنظام السوري. ادّى ذلك إلى انقاذ النظام. كان كافيا توجيه سلسلة ضربات الى مواقع حساسة، من بينها المطارات العسكرية، كي يذهب رئيس النظام السوري الى حيث يجب ان يذهب، أي الى منفى ما خارج سورية.
لكنّ بوتين، الذي اظهر مقداراً كبيرا من الحنكة والمعرفة بكيفية تفكير المقيم وقتذاك في البيت الأبيض، عرف كيف يناور. اخرج لاوباما من جيبه فكرة التخلّص من مخزون السلاح الكيميائي باشراف دولي. هدأ الرئيس الاميركي، لكنّه تبيّن مع مرور الوقت ان النظام السوري لم يتخلّص من كلّ ما لديه من مخزون كيميائي. صار اللجوء الى هذا السلاح بين وقت وآخر مسألة اقلّ من عادية. وكي يظهر ترامب انّه مختلف عن أوباما وجّه ضربتين الى النظام السوري اثر لجوئه مجددا الى السلاح الكيميائي.
كان للضربتين طابع فولكلوري، لا اكثر. كشفتا غياب أي جدّية أميركية في اضعاف النظام وكفّ شرّه عن شعبه. هذا لم يمنع الإدارة الأميركية من الاقدام على خطوات اخرى ذات بعد استراتيجي تمثلت في السيطرة على سورية المفيدة، أي على شرق الفرات، حيث الماء والثروة الزراعية والنفط والغاز، فضلا عن الموقع الاستراتيجي، ان من ناحية القرب من الاكراد او التحكم بالطريق الذي يربط العراق بسورية والذي تطمح ايران الى ان يكون في تصرّفها.
هل يكون ترامب مختلفا عن أوباما في سورية؟ هذا ما ستكشفه معركة درعا التي تعني اوّل ما تعني هل ستتمكن ايران من البقاء في سورية تحت غطاء من النظام وجيشه ام لا؟ ذلك هو بكلّ بساطة ما على المحكّ في هذه الايّام في ظل كلام عن لقاء قريب بين ترامب وبوتين.
ستظهر معركة درعا هل يمكن الرهان على روسيا في عملية إخراج الإيراني من سورية. ليس الرهان على روسيا رهانا اميركيا فقط، بل يبدو انّه رهان إسرائيلي أيضا، ذلك ان إسرائيل تفضّل حصول هذا الانسحاب الايراني من دون أن تضطر الى خوض حرب يمكن ان تكلّفها غاليا، خصوصا اذا اتخذت ايران قرارا بفتح جبهة جنوب لبنان عن طريق «حزب الله».
في كلّ الاحوال، لا يمكن لإيران ان تبقى في سورية. الثابت ان روسيا اوّل من يفهم هذه المعادلة ويستوعبها. من لا يبدو قادرا على التعاطي مع هذه المعادلة هو النظام السوري الذي يعرف تماما انّه لن يكون لديه أي هامش للمناورة في حال الانسحاب الايراني. من دون ايران، لن يكون امام بشّار من خيار آخر غير خيار التلميذ المطيع. هذا الخيار اقرب الى دور عرف رئيس النظام السوري كيف يلعبه عندما اضطر الى ذلك في مناسبة احدى زيارات بوتين لقاعدة حميميم قرب اللاذقية. من يتذكر كيف منع ضابط روسي بشّار من ان يكون الى جانب الرئيس الروسي حين تفقّد القاعدة؟
يمكن للخيار الاميركي في سورية ان يكون في محلّه، كما يمكن لروسيا استخدام الرهان عليها من اجل ان تفتح سياسة على حسابها. مثل هذا الامر يبقى مستبعداً لسببين: الاوّل الحاجة التي لدى الكرملين الى التفاهم مع واشنطن والآخر الرغبة في تفادي حرب تبدو من النوع الذي لا مفرّ منه في حال إصرار ايران على البقاء في سورية.
الاكيد ان إسرائيل ليست الطرف الوحيد الذي لا يستطيع التعايش مع الوجود الإيراني. هناك مشكلة أخرى اسمها الأردن الذي يعرف تماما معنى ان تكون القوات التابعة للنظام السوري والتي ستقترب من حدوده، في حال سقوط درعا، مخترقة إيرانيا وميليشياويا.
في الواقع، سيكون على روسيا ان تكون للمرّة الاولى في غاية الوضوح. هل هي قادرة على تنفيذ ما تعهداتها في الجنوب السوري ام ستترك إسرائيل تضرب الايرانيين وغير الايرانيين حيثما وجدوا في سورية؟
سيوفر تغيير السياسة الأميركية بالنسبة الى ما يحدث في درعا ومحيطها مناسبة لمعرفة المدى الذي بلغه التنسيق الاميركي - الروسي - الإسرائيلي. الاهمّ من ذلك كلّه، سيظهر هل لدى إيران الرغبة في تحمل نتائج الانسحاب من سورية وما سيترتب على تحول النظام السوري مجرد دمية روسية بعدما امضى سنوات عدّة يلعب على الايراني والروسي في الوقت ذاته؟