صانعة القهوة!

1 يناير 1970 12:21 ص

في زاوية الشارع في مقهى صغير ليس ملكها كانت تعد القهوة بمفردها. من يأتي للمقهى يأخذ قهوته مسرعا ويمضي...
كانت تتعامل مع أدوات القهوة بكل سرعة ومهنية ونشاط، إلا أنها لم تكن تبدو على ما يرام، وكانت في الوقت نفسه تستمع إلى أغنية أميركية جميلة فيها إيقاع أتذكره وكلمات عميقة. كانت تردد كلماتها مع الموسيقى بكل شجن وبصوت يمكن سماعه... كانت متفاعلة حقا، لم تكن تبدو سعيدة في الحقيقة كانت فقط تغني، تغني بإحساس تلك الموسيقى التي يبدو أنها تخفف عنها غربتها.
 كانت تحاول أن تطرد شيئا ما داخلها هكذا بدت لي هكذا شعرت. سألتها: كيف حالك؟ أجابت بسرعة ومن دون أن تنظر إليّ: لست جيدة! قلت لها: ستكونين بخير. قالت: أحيانا تكون الحياة ليست جيدة معنا وأحيانا تكون جيدة.
كانت تجيبني كأنها انتظرت أن يسألها أحدهم كيف حالك فتفضي ما بقلبها وتتنفس كلاما. أجابت بكل وضوح لست بخير لأنها فعلا لم تكن كذلك، ماذا لو أجبنا بصدق كلما سألنا أحدهم كيف حالك؟ ماذا لو اهتم كل منا بمشاعر أولئك العمال الذين يتحملون الكثير بعيدا عن بلادهم ليسدوا حاجات عائلاتهم الأساسية، ماذا لو شعرنا بأولئك الذين يعملون من دون توقف لتأمين حياة كريمة؟
لعل تلك المرأة التي كانت تقدم القهوة للزبائن كانت تفكر في عائلتها أو بيتها المتواضع المليء بالحب أو بجامعتها التي لم تتمكن من دفع تكاليفها وما زالت للحظة تحلم بالعودة إليها أو تفكر بحبها البعيد أو بوظيفتها أو أحداثها اليومية المنغصة أو أمورها الاقتصادية أو... تخيلوا معي لو تعامل معها - فوق كل هذا - أحد الزبائن بشكل غير ودي أو رديء أو متعال ماذا سيحدث بقلبها من وجع مضاعف؟
ماذا يحدث في كل مرة يعامل فيها أحدهم عاملا بأسلوب متعال أو غير إنساني أو حتى غير ودي؟ ترى كيف ستكون نظرة الله إليك كلما فعلت هذا؟
عادة أحب أن أجري حوارات ودية مع العمالة في كل مكان أو حتى ألقي السلام عليهم أو أسألهم سؤال أعرف إجابته مسبقا... وأحب التحدث معهم ليعلموا، ألّا أحد أفضل من الآخر، نحن جميعا بشر لا بد أن نتعايش ونتبادل الخبرات. قد أسألهم مثلا كيف حالكم أو أين عائلاتكم أو أشياء من هذا القبيل.
إن عاملة الصالون، حارس الأمن، موظفة استقبال، الطباخ، السائق لديهم الكثير ليقولوه. أؤمن أن لديهم الكثير من الخبرة الإنسانية المفيدة، فقسوة الحياة تعلم الكثير.
أتمنى من كل من يقرأ مقالي ألا ينسى أن يكون لطيفا مع هؤلاء العمال، ففي حياتهم الكثير من الأوجاع والوحدة... دمتم بإنسانية.

* كاتبة وأكاديمية
twitter: maysaa_alsharif