لم أزر سورية يوماً، لكنني اليوم أحفظ بعض مناطقها... الغوطة، خان شيخون، دوما... مناطق كثيرة تذكرت أسماءها ونسيت وجوه الضحايا فيها.
وأنا لست من الثوار الذين وعدوا الشعب السوري بالحرية، وأن يعيش المواطن في عزة وكرامة وتقليل للمخاطر الأمنية في الشأن السياسي، ففي نهاية المطاف قد أبيح كل شيء وانهار الأمن وتم إثبات أن الإنسان لن يأكل الحرية ويشبع!
ولست من القوميين الذين يلطمون خدودهم مع ارتفاع دخان البوارج الأميركية لضرب سورية، وينامون على وسائد الفنادق بينما لا يجد الطفل السوري موضعاً لرأسه في وطنه بسبب البراميل والصواريخ الروسية والقواعد الإيرانية والأجنبية التي جاءت من أجل نهب خبزه وما تبقى له من وسائد.
ها هي سورية تهزم للمرة العاشرة... هزيمة الثورة ودخول الأجانب والقواعد وفتح ملفها من دون حضورها وتدمير مدنها وتراثها... والأهم من ذلك قتل وتشريد وتجويع الكثير من شعبها.
يتناطح الأجانب على أرض سورية بطريقة لم تعهدها العرب... فنحن إما نحارب فنهزم، وإما نكذب فنصدق، أما أميركا وروسيا وتركيا وإيران وما بين ذلك من تحالفات فيمارسون الأمرين.
لم تترك سورية فرصة الحياد لأي دولة أو لأي فرد... فإما بشار وقراراته وإيران وحزب الله وروسيا والبراميل وأهميتها في ظل الفيديوهات المفبركة عن مجازر الكيماوي... وإما ترامب واستثماراته والحرية وحقوق الإنسان والمشاريع الترفيهية وخطر الهلال الشيعي وأهمية التحالف التاريخي مع أميركا وجريمة الضرب بالكيماوي... وكل الدول والأفراد الذين ينظرون من النافذة وهم يرون أمراً آخر ملعونين وملعون من يسلم عليهم من بعيد.
وفي حفلة شواء الجثث هذه تغيب إسرائيل وتظهر... وإسرائيل تظهر أكثر عندما يباح كل شيء.
التدخل التركي والروسي، والتدخل الأميركي والفرنسي والضرب بالكيماوي مباح، والفيديوهات المفبركة حول الضرب بالكيماوي أيضاً مباحة... الحصار والتجويع، والتكبير والتهليل بين فرق بلحى وأخرى بعمائم في أرض ليست أرضهم وبين أناس لا يرغبون في استضافتهم... مباح... والصلح مع إسرائيل في نهاية المطاف مباح أيضاً.
نهوض رجل ميت من بين ركام المباني ورماد الحرائق وهو يصرخ «كفى... كفى قتلاً لي ولأبنائي»، فيتم قتله للمرة الواحدة بعد الألف... أيضاً مباح!
لماذا أتعاطف مع بشار أو أهلل للضربة الأميركية الفرنسية البريطانية؟ أو لماذا أسخر من بشار وهو يهان في قاعدة روسية؟ ولماذا أهتم باجتماع الأمم المتحدة الذي يعقد بعد الضرب دائماً؟
لا يوجد سبب يجعلني أترك النافذة التي أنظر منها لأنزل وأشارك في مهرجان الهبل والهراء ووجه المهزلة الكئيب الذي يمارسه الجميع باسم محاربة الإرهاب أو حتى من أجل تحرير فلسطين!
الجميع يضع فلسطين ومحاربة الإرهاب على لسانه... والجميع يعلق المشانق!
إن الإنسانية التي لا تتقدم إلا بالدفع، وتجبرك على الدفع مقابل العيش كإنسان وليس كهر أو أقل قليلاً من كلب... لا تستحق سوى أن ننظر إليها من النافذة مع البصق على كل الأطراف المشاركة فيها... نحن نشجع قوارب النجاة فقط على الصمود حتى الوصول للشواطئ الأخرى.
وعندما يعود أصحاب الأرض الأصليين... عندها نغلق النافذة وننزل معهم.
قصة قصيرة :
بعد الضربة بساعات... كان هشتاق #برشلونة_فالنسيا نشطاً أكثر من #دمشق.
كاتب كويتي
moh1alatwan@