خيرالله خيرالله / خطاب تأسيسي في لبنان
1 يناير 1970
03:52 م
كان خطاب الرئيس أمين الجميل في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال نجله بيار، خطاباً تأسيسياً. هل يكون لبنان أو لا يكون، هل يكون دولة أو يبقى دويلات، وجزراً أمنية تحت السيطرة السورية والإيرانية؟ كان خطاب الاعتدال والتعقل بامتياز. إنه خطاب لبناني ينطلق من القلب والعقل في آن. ينطلق من قلب الشرفاء الذين يعملون من أجل مستقبل أفضل للبنان الموحّد البعيد عن كل ما له علاقة بالظلم والتعصب، والمذهبية، والتزمت، والديكتاتورية، والأنظمة الشمولية. وينطلق من عقل الذين خبرتهم التجارب فعجنتهم وجعلتهم يدركون معنى الشعارات الفارغة والمزايدات، وخطورة السير خلفها نظراً إلى أنها لم تجلب على اللبنانيين سوى الويلات. إنه خطاب مرتبط بما يعاني منه لبنان في هذه المرحلة على يد الذين يصرّون على اعتباره مجرّد «ساحة» لا أكثر، أولئك الذين يعتبرون أن الوطن الصغير لا يستحق الحياة أو أن لا حياة أو مستقبل له من دون نظام الوصاية السوري الذي بات بدوره تحت وصاية النظام الإيراني. ما هذه المهزلة التي ليس بعدها مهزلة؟ نظام تحت الوصاية، يريد فرض وصايته على بلد آخر مستفيداً من قدرته على استباحة حدوده، وإرسال أسلحة إلى ميليشيات مذهبية وأخرى تمارس الإرهاب... وتنظيمات فلسطينية تابعة لأجهزته من دون حسيب أو رقيب!
كان كلام أمين الجميّل كلاماً شجاعاً لا مواربة فيه، يصف الوضع اللبناني على حقيقته. هذا هو الوضع اللبناني من دون عمليات تجميل. مثل هذا الكلام لا يصدر إلاّ عن رجل، رجل حقّاً، ليس في حاجة إلى استرضاء أحد باستثناء لبنان، وفاء لتاريخ عائلته وحزبه، ووفاء للانتماء إلى الوطن الصغير، أي إلى لبنان العربي الحرّ، السيّد المستقلّ، العضو المؤسس في جامعة الدول العربية. هذا اللبنان الذي لم يتنكر لتاريخه، والرافض أن يكون مكسر عصا للآخرين، وحقل تجارب يخوضون من خلاله حروبهم ومعاركهم بهدف عقد صفقات مع أميركا وإسرائيل على حسابه، وحساب أبنائه من كل الطوائف والمناطق.
يصلح الخطاب وثيقة سياسية قابلة للنقاش والتبني من حركة الرابع عشر من آذار، كما يصلح أن يشكل عناوين تصلح للنقاش في إطار طاولة الحوار، في حال لا يزال ممكناً معاودة الحوار والدخول في نقاش جدي يتناول الأسس وليس التفاصيل ومتاهاتها.
نعم لبنان بلد مقسّم إلى درجة أن أجزاء منه تحوّلت جزراً أمنية لا علاقة للدولة اللبنانية ومؤسساتها بها. من يريد بالفعل توحيد لبنان يحول دون قيام هذه الجزر الأمنية القابلة للتمدد والانفلاش، كما حصل في السابع من مايو الماضي في بيروت والجبل. هذه الجزر، باتت تفصل بين اللبنانيين العاديين العُزّل من جهة، واللبنانيين- السوبر، أو السوبر- لبنانيين الذين يحق لهم استباحة بيوت الآخرين وأحيائهم من دون حسيب أو رقيب بحجة أنهم يقاومون إسرائيل من جهة أخرى. والحقيقة أن هؤلاء يقاومون لبنان وعودة لبنان إلى سابق عهده وازدهاره، ويقاومون كل ما له علاقة بالعيش المشترك بين أبناء الوطن الواحد. بماذا يعد الفريق المسلح اللبنانيين الآخرين، هل يعدهم بغير أن تكون بيروت بغداد الصغرى، أو على الأصح هل لديه أي مشروع آخر يعدهم به غير مشروع فتنة مذهبية تترافق مع انفلات الغرائز؟
كان خطاب الرئيس السابق للجمهورية والرئيس الحالي لـ «حزب الكتائب» اللبنانية في غاية الوضوح. كان خطاباً لتأكيد عودة الكتائب إلى دورها الجامع بين اللبنانيين مسلمين ومسيحيين بديلاً عن دور يلعبه ذلك الجنرال المهووس بالسلطة، الذي في استطاعته قول أي كلام، والذي لا هم له سوى تشتيت المسيحيين. أكثر من ذلك، عادت «الكتائب»، بدليل الحشد الكبير الذي أحيا ذكرى بيار أمين الجميّل، شيخ شهداء الاستقلال الثاني، قوة مسيحية رئيسية. حدد الخطاب بصراحة ليست بعدها صراحة أن لا مستقبل للبنان واللبنانيين ما دام السلاح في يد فئة معينة، وليس في تصرف الشرعية ممثلة بالجيش وقوى الأمن الداخلي. لن يأتي أي مستثمر عربي أو غير عربي إلى لبنان بوجود هذا السلاح الموجه إلى صدور اللبنانيين أولاً. لن يقبل أي لبناني من أصحاب الثروات القيام باستثمار كبير في البلد في ظل هذا السلاح. ما قد يكون أخطر من ذلك كله، أن لا وجود لشيء اسمه دولة القانون والمؤسسات والمساواة بين المواطنين ما دام هذا السلاح موجوداً. دعا أمين الجميّل إلى حلول عملية تفضي إلى وضع استراتيجية للدفاع الوطني تقود في نهاية المطاف إلى استيعاب سلاح المقاومة بدل استراتيجية تستهدف تكريس وجود هذا السلاح خارج سيطرة الشرعية اللبنانية. هذا هو الكلام المنطقي الذي يصدر عن أي لبناني صادق يرفض استعادة تجربة الحرب الأهلية، التي تتحمل المنظمات الفلسطينية المسلحة جزءاً من المسؤولية عنها، فيما يتحمل لبنانيون مسؤولية الجزء الآخر للأسف الشديد. كان مهماً تأكيد الرئيس السابق لأهمية تفادي أي مواجهة بين اللبنانيين بسبب سلاح «حزب الله».
كان خطاب أمين الجميّل خطاب اعتدال وانفتاح ومحاولة لافهام اللبنانيين الذين يرفضون التعلّم من دروس الماضي القريب، على رأسهم ذلك الجنرال الأرعن، أن السلاح لدى فريق معين يقسّم ولا يوحّد، وأن لا مفر في نهاية المطاف من العمل على تفادي السقوط في الأفخاخ التي تنصب للبنان عن طريق التمسك بسلاح المقاومة. مثل هذا التمسك بالسلاح يعني نشر البؤس في لبنان، ومنع المؤسسات اللبنانية من العمل في ظل دولة القانون، فضلاً عن تحميل لبنان أعباء ليس في استطاعته تحملها. هل صار طبيعياً أن يكون جنوب لبنان، إلى أبد الآبدين، الجبهة العربية الوحيدة المفتوحة مع إسرائيل... بناء على رغبة إسرائيلية قبل أي شيء آخر، هل من العدل أن يكون لبنان خارج الاستراتيجية العربية التي تقوم على مبادرة السلام التي أقرتها «قمة بيروت»، هل من العدل أن يكون لبنان بلداً يعمل اقتصادياً بموجب نمطين لا علاقة لأحدهما بالآخر؟
إن الاقتصاد الذي يسير عليه «حزب الله» المعتمد على المساعدات الإيرانية والموارد الأخرى الخاصة به، تجعل لبنان باقتصاده المنتج يراوح مكانه في أحسن الأحوال. ولذلك من الطبيعي أن تترافق الدعوة إلى إيجاد حل لمسألة سلاح «حزب الله» مع الدعوة إلى لامركزية موسعة استناداً إلى «اتفاق الطائف». إذا كان هناك لبنانيون متمسكون بالسلاح ويعتبرونه علة وجودهم، ويستأجرون من يتلو نصاً لاستراتيجية دفاعية لا هدف لها سوى المحافظة على السلاح غير الشرعي، فإن أكثرية اللبنانيين تعي، في المقابل، المخاطر الناجمة عن السلاح وترفضه. ويحق لها بالتالي العيش في ظل نظام اللامركزية الموسعة، وفي مجتمع حرّ يؤمن بكل ما هو حضاري في هذا العالم. تحدث أمين الجميّل باسم الأكثرية الساحقة من اللبنانيين. قال ما يقوله أيضاً المثقفون والواعون من أبناء الطائفة الشيعية الكريمة. هؤلاء مثلهم مثل اللبنانيين العاديين الآخرين من أبناء الطوائف والمناطق الأخرى يدركون أن السلاح لا يحمي أحداً ولا يأتي بامتيازات لأي فريق. جرب السنّة ذلك قبلهم وجرب ذلك المسيحيون، كذلك الدروز. اكتشف الجميع أخيراً أن لبنان وحده يحمي اللبنانيين، لبنان الموحد الخالي من الجزر الأمنية، والخالي من أي سلاح آخر غير سلاح الجيش وقوى الأمن، يحمي كل لبناني بغض النظر عن الطائفة والمذهب. الكل أقليات في لبنان. السلاح لا يجعل من الأقلية أكثرية بأي شكل من الأشكال. إنه ينشر ثقافة البؤس في لبنان بهدف تدمير الوطن الصغير والأسس التي قام عليها، وهو ما حاول أمين الجميّل التنبيه إليه لا أكثر ولا أقل!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن