خواطر صعلوك

صديقي الليبرالي النباتي... الكيوت!

1 يناير 1970 08:59 م

منذ فترة ليست بالقصيرة، وأنا أحاول تسوية وتوفيق الأوضاع بيني وبين أحد أصدقائي، والذي يسبب لي ربكة في المبادئ في ما يخص السلسلة الغذائية، والمفاهيم الكبرى مثل العدالة والرحمة.
فهو لا يأكل اللحم أبداً أو الدجاج، أو حتى السمك... وبالتأكيد لن يأكل الجراد أيضاً.
يعتقد أنه من السخيف أن نأكل أجساماً تحمل أرواحاً... ويقول وهو ينظر إلى الأفق بنظرة مليئة باتساع الرؤية وضيق العبارة «هذا ليس من العدل وليس من الرحمة، ومعدتي ليست قبراً لروح خلقها الله»، ربما فقط لو قدّم مبرراته على أن الموضوع له علاقة بالرشاقة أو حتى خطورة انتقال صفات الحيوان المأكول للآكل - كما صرح بعض الفلاسفة - لكنت تفهمت موقفه، أو لو أنه امتنع عن أكل اللحوم والدجاج من باب الكيفية التي يتم بها قتل وسلخ هذه الحيوانات عبر الشركات العابرة للقارات، لكنت تعاطفت مع رأيه ومع حيواناته أيضاً... أما باب الرحمة والعدل، فهذا أوسع من خيالي... وخياله.
ورغم أنه يبدي الغضب الشديد تجاه الصندوق الكويتي للتنمية إذا ما قرر بناء مستشفى في أفريقيا، حيث على الطبيب كل يوم أن يغمض عينيه ويعد للعشرة وهو يقرر من يموت ومن يعيش بسبب وجود جهاز واحد للتنفس الاصطناعي للأطفال الخدج... إلا أن منظر الخروف أو الدجاجة وهي على الصحن تجعله يأخذ بتلابيبنا جميعاً في الديوانية ليسمعنا خطبة قصيرة حول أهمية أن نكون نباتيين من أجل عالم أكثر رحمة وعدلاً، ثم يبدأ في تلاوة طقوس مؤثرة وكأنه في حفلة حقوقية لم يتخلف فيها سوى سلاح فرسان الثورة الفرنسية... وحقوق البدون... وحقوق العمال.
وقد حاولت أن أقنعه أنه حتى النباتات التي يأكلها تشعر وتتألم، وقد أثبت ذلك عدد من العلماء والدراسات والأفلام الوثائقية الجادة والموثوقة... إلا أنه دائماً يعتبر هذا الكلام من جيبي.
وقد نبهته أكثر من مرة كذلك، أنه بعد كل مرة يغسل فيها يديه وقدميه، فإنه يقتل عدداً من الكائنات الدقيقة ذوات الأرواح أكثر من تلك التي نأكلها على السفرة، ولكنه يصرخ في وجهي كعاصفة هوجاء «هل تريد أن تبقى يدي وقدمي متسختين لكي تعيش هذه الكائنات وأموت أنا؟».
وفي آخر مرة نبهته إلى أن الحذاء الذي يرتديه مصنوع من الجلد، وهذه الماركة بالتحديد لها مزارع حيوانية كبيرة من التماسيح تستغل الحيوانات بطريقة حيوانية لا مثيل لها... فهل يعقل أن ترفض أن يدخل لحم الحيوان بطنك لكي ترتدي جلده في قدمك؟
إن صديقي هذا هو مثال صريح على إنسانية مخصية، تعطف وتشفق على طائر بجناحين... وتعصف وتسحق إنساناً يسير على قدمين، وسيكون من العدل والرحمة والإحسان لو أن صديقي هذا توقف فوراً عن استخدام مبادئ مغلفة بالرحمة والعدل والإحسان.
نقلت لكم قصة صديقي لكي أنطلق منها إلى أن تلك المرأة التي أسندت ظهرها لجدار البورصة بكل تداولات الأسهم فيها، واضعة أمامها لوحة مكتوبة بعفوية وبخط رديء يفجر المعاني في مواقع لا تخطر على بال قارئها، وتجر وراءها أعواماً من الهزائم وأصبح مستقبلها مرهوناً بالفيديوهات والصور والمقاطع الصوتية التشاركية التي علقت على الحدث... قد دقت جرساً كبيراً بحجم أذن الفيل... جرساً أكبر من فعالية ليبرالية اقتصادية تتغلف بمبادئ حقوقية، سواء داخل البورصة أو خارجها.
فهل نستمع...أم تحبون أن أروي لكم قصة أخرى؟

كاتب كويتي
moh1alatwan@