في كل مرة يتكلم وفي كل مكان يذهب إليه، كان حريصاً على أن يشير بإصبعه السبابة الذي تظهر فيه انتفاخة صغيرة «صعروره» مكان ظفره المخلوع. وفي كل مرة كان يشير للمتحدث بهذا الإصبع كان المتحدث يسأله بلهفة عن سبب هذه الانتفاخة، وهنا تنفرج أسارير صاحبنا حيث يبدأ في سرد أقوى قصص المقاومة الوطنية على الإطلاق!
وهكذا عاش طوال عمره وهو يلوح و يلمح بإصبعه الوطني لكي يفجر القصة الكبرى.
أما أصدقاؤه المقربون، فلقد تعلموا مبكراً أنه يجب عليهم أن يصغوا باحترام لتلك القصة التي تعاد على مسامعهم مع كل ضيف جديد يحضر للديوانية أو في أماكن تجمعهم أو حتى في الجحيم، وتعلموا أيضاً أن يغضوا الطرف عن أي خلل في تفاصيل الحكاية أو أي نقص وزيادة فيها، وربما أكثر ما تعلموه هو الجملة التي دائماً ما كان ينهي بها حديثه مع كل أحد يسمع حكايته حيث يردد «حينما لا يمنحك أحد الاحترام الذي تستحقه... فعليك أن تفرضه على الجميع بسبابتك».
ولم يعترض أصدقاؤه يوماً على هذه الجملة، رغم يقينهم الصارم أن صاحبهم «فاهم الاحترام والوطنية غلط»!
وذات يوم، وفي موقع التفتيش المروري حدث ما حدث...
رفع الرجل يديه في وجه الشرطي وقال له: «انظر جيداً بين هذه الأصابع... هناك إصبع وطني بينها... عليك أن تحترم هذه الندبة الوطنية».
بدا على الشرطي الذهول، خصوصاً وأنه حديث التخرج، بالإضافة إلى شكوكه التي تفجرت من عبارته الوحيدة التي قالها للرجل «ليش مو رابط الحزام عمي؟»، وتساءل بينه وبين نفسه قائلاً: «هل الخلل في كلمة (ليش) أم في كلمة (عمي)؟».
ولكنه سرعان ما تمالك نفسه كما تم تعليمه ورد بحزم: «عفواً...»؟
لم يحرك الرجل أي عضلة من عضلات جسده سوى عضلة لسانه وعضلة السبابة في يده اليمنى، والذي هزه هزاً شديداً وهو يقول: «إنه من الفخر أن أحمل معي هذا الإصبع في كل مكان أذهب إليه، إنه شهادتي على العصر».
تفحص الشرطي إصبع الرجل (السبابة) وقلب النظر ودقق فيه ثم دمدم بهمس قائلاً: «يعني هل كان من الضروري عمل تفتيش اليوم؟».
بالنسبة إلى الشرطي، كان الرجل مجنوناً... وبالنسبة إلى الرجل، كان الشرطي فظاً وغليظاً وغير مقدر للأبطال الوطنيين.
بدا للشرطي أن يدعه يمر، فلا شكله مثير للريبة ولكن اعتزازه بإصبعه السبابة مثير للحيرة، بالإضافة إلى أن كل واحد منهما ينطلق من أرضية مختلفة ولا يجمع بينهما سوى أرضية موقع التفتيش، ولكن بدلاً من ذلك قرر الشرطي أن يسأل الرجل سؤالاً اعتبره النقطة المحورية في المحادثة: «وما يدريني أن هذه الندبة فعلاً هي من آثار الأعمال الوطنية؟ ثم ما هو هذا العمل الوطني؟».
هنا شعر الرجل أنه أمام تهديد يشكك في روايته الشفوية التي يجب على الجميع احترام أبعادها، ولكنه لملم نفسه وقال: «لقد جلست طوال عمري أدافع عن الحكومة ضد منتقديها، دافعت بالقلم عبر الصحف، ودافعت بالتغريدات عبر (تويتر)، وانتقمت للحكومة من كل خائن وعميل ومنزوع الوطنية حاول أن ينتقد وزراءها أو حتى الأعضاء المحسوبين عليها مستخدماً هذا الإصبع الذي لا يعجبك».
ثم أشار للشرطي وأضاف: «إن هذه الندبة التي في السبابة ظهرت كنتوء وطني خارجي بسبب أن أحد الذين يدافعون عن حقوق غير الكويتيين، قد عضّ إصبعي ونحن نتشاجر في الديوانية، فحشر إصبعي بين ناب الفك العلوي وبين القاطع الجانبي للفك السفلي... ثم ماذا استفدت؟ لا شيء... وها أنا أقف أمام شرطي بعمر أبنائي يحاسبني على ربط حزام الأمان»!
هنا زلزل الشرطي زلزالاً عنيفاً وشعر لوهلة أنه يقف على عتبة ثورة غضب جعلته يرغب في أن ينزل صاحبنا من سيارته ويبرحه ضرباً في الشارع، وفي الطريق للمستشفى يعطيه محاضرة عن الفرق بين الحكومة وانتقادها أو الاصطفاف معها، وبين الوطنية والخيانة والعمالة، والفرق بين الوطنية وبين الآراء الشخصية... فكر في كل ذلك كإنسان، ولكنه تراجع فوراً عندما تذكر أنه رجل أمن لا علاقة له بمفاهيم مثل هذه.
تمالك نفسه... ابتسم في وجه الرجل... ثم حرر مخالفة وطلب من صاحبنا أن يوقع عليها بذات الإصبع الوطني.
كاتب كويتي
moh1alatwan@