نقد

«الملك في بيجامته» ... الزمن الفاصل بين عهدين

1 يناير 1970 10:31 م

التحولات التي شهدها العراق منذ العام 2003 كانت تمثلات في الأعمال الروائية الصادرة، وأضحت الظواهر الناجمة من الفضاء المتُخم بالموت العبثي والمشحون بصراعات مُحتدمة بين وجوه متمترسة وراء هويات فرعية ثيمةً أساسية في السرد الروائي، الأمر الذي لفتَ انتباه النُقاد وطرحوا بشأنه أسئلة من الصميم، ربما ما أثير في ضفة النقد له ارتدادات على اختيار بعض المؤلفين الذين يهمهم عدم الوقوع في مزالق التكرار...
انعطفَ الروائي خضير فليح الزيدي في عمله «الملك في بيجامته» الصادر من دار الرافدين - بيروت 2018 إلى حلقة إشكالية وابتعد عن المناخ السائد في روايات ما بعد 2003 إذ يستعيدُ لحظة فارقة في تاريخ العراق وهي الانتقال من الملكية إلى الجمهورية، وبهذا يفتحُ أفق الاشتغالات الروائية بوجه إمكانيات ورهانات جديدة. أكثر من ذلك فإنَّ صاحب «فاليوم عشرة» قد غامر على المستوى البِنائي، ومضى بعيداً في التجريب وتوظيف أُسلوب ميتا السرد، إضافة إلى تمكنه في الدفع بشخصيات تاريخية إلى فضاء عمله متجاورة مع ما نحتهُ من شخصيات مُتخيلة، كما أن السردَ يتحركُ بين أزمنة مُتعددة، فضلاً عن انفتاح النص على فن المسرحية والسيرة الذاتية، ما يعنى ضرورة استنفار مدارك القارئ حيث يختبر النص مستوى وعيه، إذ تتقاطعُ قصص بصيغ مُختلفة في سياقِ هذا العمل، وتتحول شخصية خالد الذي سُمي بشيخ الروائيين من دون أن يكون لديه مؤلف روائي إلى خيط ناظم لمسلسل الأحداث.
قبل الدخول إلى أجواء الرواية، يوردُ الكاتبُ ثلاثة تقارير في المقدمة، ولا تنفصلُ هذه المادة التقريرية مما تتوالى من الوحدات السردية... يضعُك التقرير الأول أمام ملابسات محاكمة شخصية جميل قرة تبى الذي كان يشتغلُ في دائرة الاتصالات والبرق في العهد الملكي وما يردُ في حيثيات محاكمتهُ يظهره في إهاب شخصية أبيقورية، لذلك ما أنْ يصدرَ الحكم ُباعدامه شنقاً حتى يهتف بشعارات زاخرة بشحنات تهكمية «يحيا رقص، تحيا رحلو».
ويلي هذا التقرير مقالُ شيخ الروائيين حول تفشي الوباء في الرصافة القديمة وتفيدُ الرسائلُ المتبادلة بين المواطنين بأنَّ أحد كتاب بغداد راح ضحية للوباء. كما يصفُ شيخ الروائيين ما يسود في المدينة من الهرج والمرج عقب انطلاق الجرذان من كل حدب وصوب... والتقرير الثالث هو من مُنظمة الصحة العالمية التي تحدد نوع الوباء، مشيراً إلى أنه سبق واجتاح جنوب غربي آسيا في الأزمنة الماضية.
ما أشرنا إليه آنفاً من المتون التمهيدية يكشفُ عن الصياغات المتنوعة في المبنى الروائي، إذ ينحو السرد منحى مُغايراً في الباب الأول حيثُ يذكرك الراوي بالكارثة التي حلت في بغداد ثُم ينعرجُ إلى موضوع المسرحية التي طُلبَ منه حضور تمارينها الأخيرة، يتلقى شيخ الروائيين الدعوة من «براق الكوني»، فالأخير أسند إليه دور الجزار في العمل المُقتبس من رواية «عماد الآغا» الذي وافته المنية في عام الوباء قبل أن يكمل الفصل الأخير، يهمين ضمير المُتكلم على الفقرات التي يروي فيها شيخُ الروائيين تفاصيل بروفة المسرحية والنقاشات التي احتدمت بين القائمين على انجاز العمل فضلاً عن إشارته إلى موقع بناية معهد الفنون الجميلة المعبقة برائحة الإناث اللائي سكنَّ فيها، ما يستدعي الحديث عن علاقته بالرائحة واحتفاظه بحاسة الشم رغم وصوله إلى خريف العمر.
ومن ثم يتموضعُ القارئ في زاوية نظر الشيخ خالد مُندمجاً مع ما يدور على المسرح حيثُ يظهرُ راوٍ بملامح مُتجهمة يتقمصُ دور حكاء التاريخ، يمهدُ لانطلاقة العمل. وعقبُ ذلك تتصاعدُ الابتهالاتُ إذ تحتجُ امرأة بلهجة عراقية وهي أخت آخر العنقود الملكي في العراق على مقتل أهلها.
ومع استمرار البروفة ومداخلات بعض الحضور حول دقائق العرض يخرجُ كوادر المسرحية من الممثلين والمخرج والمتخصص في الديكور والأزياء من العتمة كما تتضح طبيعة العلاقة القائمة بين مخرج المسرحية نورس والمتخصصة في الأزياء الإسلامية سعاد بدوي التي شغفت حباً بطالبها. إلى جانب ذلك ينجلي الغموض عن دور شيخ الروائيين الذي كُلِفَ بكتابة الفصل الأخير من رواية المغمور «عماد الآغا» وقبل موت الأخير كان لشيخ الروائيين لمسات على الخطوط العريضة للعمل خصوصا العنوان، إذ يُعدله من «الملك في قصر الرحاب» إلى «الملك في بيجامته» مُستفيضاً في الحديث عن دور العتبة الأولى وضرورة طابعها الإيحائي، وذلك ابان عن ثقافته النقدية لدى المُكَلَف بإكمال الرواية المكتوبة عن واقعة قصر الرحاب، وهو مطلع على كواليس الرواية كما يُصاحبُ تحضيرات المسرحية إلى يوم العرض. لذا يصحُ وصفه بمؤلف الظل.
يمتازُ هذا العمل بطابعه المراوغ وذلك يتمثل في خطين يتقاطعان السرد، فمن جهة يتابعُ المتلقي لقاءات شيخ الروائيين مع براق الكوني والأفكار المتمخضة عنها. وتستأثرُ فصول رواية غير مُكتملة لـ «عماد الآغا» باهتمامه من جهة أخرى، إضافة إلى تجاور سلسلة من القصص الفرعية المُتفاوتة زمنياً في متن الرواية، مناورات غزلية لسعاد بدوي مع نورس ومن ثم العلاقة الافتراضية التي تتحول إلى علاقة واقعية بين سعاد وأحمد، وقصة الحب بين وحيد زنكي، ابن الحدائقي في القصر الملكي ورازقي وما يعيشهُ جميل قرة التبي من حياة المجون، وقوع الأميرة راجحة في حب الملازم عبدالجبار، ونبوءة العرافة للملك الصغير بأن زواجه من فاضلة سيكلفه ثمناً باهظاً، ومشهدُ مغادرة الفواخيت لشجرة عجوز بأيام قبل أن تلم الكارثة بالعائلة المالكة.
احتشاد العمل بكل هذه القصص لا يؤدي إلى انفصام بين وحدات الرواية بقدر ما يُزيدُ من عناصر التشويق في بناء العمل بأكمله، ويدعمُ القصة الأساسية وهي وقائع يوم 14 يوليو 1958عندما يتساقطُ جميع أفراد الأسرة الملكية باستثناء الأميرة هيام، قتلى، ويبدأُ فصل جديد من تاريخ العراق، يُحسب للكاتب دقته في التقاط اللحظة الدرامية وتعجينها مع عنصر التخييل، وإيراد أسماء الشخصيات الواقعية من دون أن تضيع خصوصيات العمل السردي في لجة المعلومات التاريخية.
ومن الواضح أنَّ مؤلف «فندق كويستان» يريدُ تطعيم كل أعماله الروائية بالحس الشعبي من خلال تصوير مناخ البيئة البغدادية، وهنا اعتمد أيضاً على توظيف الفوتوغراف بالأسود والأبيض لسد ثغرات في التاريخ.