«حلمت الأسبوع الماضي بأن طائرة بدون طيار قد هبطت على سطح بيتنا، ولا أدري هل أخبر السلطات أم أخبر المفسرين؟».
بدون مقدمات، وبلا منطقية حلم أو كابوس، فتح رجل كبير في العمر باب سيارتي وجلس بجانبي أثناء تعبئة الوقود وطرح هذا السؤال.
نظرت إلى الرجل باستغراب، ثم ابتسمت محاولاً إخفاء دهشتي من سلوكه ثم من سؤاله... ولكنه فهم تعابيري وقال مبرراً: «كل ما في الأمر أنني أخشى على نفسي من الدخول في سين وجيم، وهذا ما جعلني أتساءل عن وضعي كرجل حلم بسقوط طائرة بدون طيار على سطح بيته».
نظرت حولي لكي أتأكد من أن ما يحدث معي ليس مجرد حلم داخل حلم، كما في فيلم ليوناردو دي كابريو، أو مقلب من صديق موجود معي في المحطة، ولكن هيئة الرجل وجديته في الكلام جعلتني أشك في أن يسخره أحدهم لمثل هذه الحركات.
أكمل قائلا: «ابني يقول إنني إذا أبلغت السلطات، فسأكون حديث الناس، فضلاً عن الصحافة التي ستملأ بيتنا، ناهيك عن مقابلات تلفزيونية يطلب مني فيها أن أحدث الجمهور عن لحظات اكتشاف الطائرة... وعندها سأصبح بطلاً قومياً، خصوصاً إذا نجحت في سرد حلمي الذي لا يتعدى الدقيقة بطريقة تمط الأحداث لساعة ونصف الساعة... ولكن ابني أضاف ملاحظة جعلتني أخاف أكثر».
اعتدل ومال للأمام ونظر في عينيّ مباشرة ثم تابع: «لقد قال لي إنه من الممكن أن يتهمني أحدهم بأني فبركت هذا الحلم، بل وقد يذهب الخيال بعيداً بمن أسماهم المغردين، فيحاول أحدهم أن يربط بين الأحداث المحيطة بنا وبين توقيت هذا الحلم... فيزج باسمي في أزمة لا ناقة لي فيها ولا جمل... ثم وما يدرني لعلها طائرة عابرة فوق دولتنا أرادت أن تتجسس على دولة أخرى، ولكن لحظي التعس سقطت عندي».
يكمل وهو يراقب عامل محطة الوقود بحذر: «زوجتي تقول إن هبوط هذه الطائرة على سطح بيتنا ما هو إلا تفسير رؤياها التي رأتها منذ سنتين، حيث رأت في ما يرى النائم أن هناك طائرة بدون طيار تطلع على عورتي الشخصية أثناء استحمامي في حمام السطح، وقد خصصت زوجتي ثلاث ليال للاتصال بالمفسرين الذين قالوا لها جميعاً إنه غير مخول لهم النظر في هذه النوعية من الأحلام».
أخرج هاتفه من جيبه الأيمن ثم قال: «هل تعرف صديقي الذي كان معي في الثانوية؟»...
تظاهرت بأني أعرفه وهززت رأسي موافقاً، ولا أدري لماذا شعرت برغبة شديدة في البكاء، راجياً من الله أن يخرجني من هذا الموقف، وراجياً منه أن يكمل حديثه من دون انقطاع، وراجياً من عامل المحطة أن يسرع في تعبئة الوقود... أكمل الرجل بلهفة قائلاً: «لقد اتصلت به منذ أربعة أيام... هل تصدق؟... لقد أخبرته عن الطائرة التي فوق سطح بيتي، فطلب مني أن أصوّرها وأرسل له الصور عبر واتساب، ولكنني أوضحت له أنني رأيتها في الحلم، ولذلك سأرسمها له وأرسلها».
صمت الرجل لبرهة وبدا عليه حزن شديد، ثم أكمل حديثه قائلاً: «بعد أن تسلم الصور... لم يعد يرد على رسائلي أو اتصالاتي... هل تعتقد أنه يشكك في نواياي الوطنية أو لعله يعتقد أنني أنا صاحب الطائرة ولكنني أتهرب؟!».
يسند ظهره على الكرسي ويتنهد ويقول: «هل تعتقد أنه من الأفضل أن أبلغ السلطات؟... لقد رسمت الطائرة من جميع الزوايا، وتأكدت بنفسي من جهاز الإرسال اللاسلكي المثبت في ذيلها، والكاميرا الكبيرة المعلقة على أنفها... ثم إن حجمها كبير جداً... هل تعتقد أنه من الأفضل أن أبلغ السلطات؟».
أيقنت أنني في ابتلاء من الله أمام هذا الرجل، فإذا وقع القدر تنام المعرفة وتخبو الملاحظة والاستقراء... وتصبح وحدك أمام الله.
قلت له: «دعني أرى الرسومات التي أرسلتها لصديقك».
أمسكت بهاتف الرجل وحدقت في الصور بدهشة عميل استخبارات اكتشف أن الملف الذي بين يديه يحمل من الإشارات أكثر مما كان يتوقع... التفتّ إلى الرجل وقلت له: «إنك لا تحتاج أن تبلغ السلطات... إنك تحتاج أن تبلغ الجيران... إنها طائرة عادية تباع في الأسواق، وربما كانت لطفل من أطفال جيرانكم وسقطت منه في حلمك لسبب ما».
بدا على الرجل أنه اطمأن لهذا التفسير كثيراً... تنفس الصعداء ثم قال: «إذا لا داعي لإبلاغ السلطات».
قالها حائراً، وكأنه ظل يرددها كثيراً في الفترة الأخيرة... ونزل من سيارتي، واتجه لسيارة زبون آخر وقد نسي هاتفه بيدي.
استعذت بالله من أن يتحول الوطن يوماً إلى كابوس يحاسب الناس على أحلامهم، وأعطيت الهاتف لعامل المحطة... وانصرفت.
كاتب كويتي
moh1alatwan@