بدا عليه الاندهاش واضحاً من خلال حواجبه المرفوعة حتى كادت تلامس سقف المكتب وهو يحدثني عن مشهد غريب شاهده في أحد مطاعم الفول والفلافل، وبدا عليه الحماس وهو منخرط في شرح زوايا الرؤية في المطعم وكأنه معماري بالفطرة أخطأ تخصصه فأصبح عامل كافتيريا من الدرجة الرابعة.
ويقول بحماس طفل وهو يروي ما شاهده: «طاولة مربعة يجلس عليها أربعة أشخاص، الأول باكستاني يرتدي عمامة بيضاء يغطي بها رأسه مع لحية كبيرة سوداء تغطي نصف وجه، والآخر فيلبيني يرتدي تيشرت بدا على ساعده الأيمن أنه رسم وشماً لتنين أو أفعى أو امرأة، والثالث كان مصرياً بلحية كثيفة تصل إلى نهاية صدره مع علامة صلاة في جبهته بحجم كعك العيد، أما الرابع فكان أيضاً مصرياً حليق الوجه إلا من حاجبيه مع علامة صليب خضراء عند رسغ يديه».
ثم تساءل وقد أنزل حاجباً من حواحبه وأبقى الآخر معلقاً في السقف «كيف اجتمعوا على طاولة واحدة؟!».
ثم استطرد في مونولوج داخلي وكأنني غير موجود: «قلت في نفسي ربما اجتمعوا على عمل أو مصلحة ما أو مؤسسة... ولكن طريقتهم في الكلام ومزاحهم وابتساماتهم تجعلني أوقن أنهم أصدقاء، ثم إني في الكويت منذ أكثر من عشر سنوات، وأعلم أن الحرفيين والصنايعية والعمال حتى المحاسبين أو المهندسين لا يجتمعون في المطاعم بهذا الشكل كأنهم في مؤتمر لتقارب الأديان والمذاهب، ثم إن الفيلبينيين والباكستانيين ليسوا منفتحين على العمل المشترك مع بعضهم البعض فضلا عن العمل مع العرب... والمسيحيون يخدمون بعضهم البعض في العمل، وكل الأفلام العربية التي شاهدتها تقول إنه يستحيل على السلفي المصري أن يكون بهذا الانشكاح الانفعالي والعاطفي الذي شاهدته على طاولة المطعم وهو يأكل ويمازح أصدقاءه... شيء غريب فعلاً»!
التفت تجاهي وقد لاحظ أن المونولوج الذي مارسه للتو لا يكفي لترسيخ قناعة ما قد تغير حياته على خشبة المسرح العالمي، فقرر من فوره أن يدخل في ديالوج معي قائلاً: ما رأيك؟
فقلت له: بل ما انطباعك؟
قال وكأنه صُعق كهربائياً من عمود إنارة: «انطباعي أنا»؟ كان طوال الحوار واقفا يمسك بصينية عليها طلبات زبائن الكافتريا فاهتزت من يده، وضعها جانباً وجلس وكأنه أزاح جبال الأوليمب عن كتفيه وهو يردد: انطباعي... انطباعي... شيء غريب، ظل جالسا فترة طويلة ينظر بحس الممارس للمهنة لطلبات الزبائن التي عليه أن يوصلها للمكاتب القريبة، مقدرا الوقت قبل أن تبرد، وفي الوقت نفسه يسترجع المشهد الذي شاهده بالأمس ليعبر عن انطباعه، ثم قال: شعرت بسعادة وحزن مختلط، سعادة التجمع رغم التنوع، فللمرة الأولى في حياتي أشاهد منظراً عفوياً وطبيعياً جداً مثل هذا... أليس هذا هو ما يسمونه العيش المشترك؟ برامج «التوك شو» دائما تتحدث عنه ولكني للمرة الأولى في حياتي أشاهده، وشعرت بحزن على حالي وعلى جميع التصنيفات التي كونتها خلال عشر سنوات لتنهار أمام خمس دقائق، وكيف أصبحنا نشبه بعضنا بعضاً كثيراً ثم نتقاتل على اللاشيء، ولا أدري لماذا تضاربت مشاعري وأحسست أن الكثير فاتني في هذه الحياة.
ثم ألتفت نحوي بوجه باسم قائلاً: لم تقل لي رأيك؟
قلت له: رأيي في انطباعك أم في المشهد؟
قال: في الاثنين... فضحكنا.
قلت له: شيء غريب! ثم غرقت في الصمت.
قال: شيء غريب فعلاً!
حمل صينية الطلبات واقفاً واتجه للباب ملبياً نداء العمل، وهو يقول بعتب من أفضى سرا ولم يجد صاغيا: كنت أريد أن أسمع منك أكثر... ثم خرج واختفى.
لم يكن لدي ما أقوله... تماماً مثلما ليس لدي ما أكتبه الآن، كل ما أردته ألا أتدخل في إسقاطاته على المشهد، وتركت له عملية الإخراج مكتفياً بدور الكومبارس والذي إذا عطس في مشهد دراما أو عزاء أو ابتسم في مشهد حرب فإنه يفسد عمل الجميع.
كل ما فعلته هو أنني كتبت ما قاله مستخدماً حصيلة لغوية، لو كانت عنده لفجر معاني أكثر في الكلمات وليس في الأداء.
لنترك القصص البسيطة تمر من دون تدخل طالما أنها قادرة على أن تعمل في النفس البشرية ما لم تفعله كتيبة من الكتاب والشيوخ والنخبة والمثقفين.
كاتب كويتي
moh1alatwan@